كلمة اليوم

الإرهاب والفاتورة الباهظة

كل هذه الأحداث الدامية، وهذه الحالة غير المسبوقة من الاستنفار الدولي، وحالة القلق العام من الأعمال الإرهابية، ما كانت لتحدث لو استجابت القوى الغربية على وجه التحديد لنداءات الدول التي اكتوت مبكرا بنار الإرهاب، وقرأته بعناية، وأدركت أسبابه وغاياته، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي يشهد الجميع أنها كانت أول المبادرين للدعوة لتوحيد الجهود الدولية لتجفيف منابعه، وقطع شأفته في مهده قبل أن يستفحل ويتحول إلى داء لا شفاء منه. بالتأكيد كان يمكن اختصار فاتورة الإرهاب المتنقل من مكان إلى مكان في أضيق نطاق، وكان يمكن لجمه والتضييق عليه، لو سارع العالم للتعامل كما دعت المملكة وبعض الدول مع الأزمة السورية بروح المسؤولية بعيدا عن الحسابات الضيقة، وبعيدا عن الرهانات حول ملفات المنطقة المعقدة، وغض الطرف عن التحركات الإيرانية في سبيل عدم انفراط عقد محادثات الملف النووي، الأمر الذي حوّل الساحة السورية إلى وكر لتفريخ الإرهاب، واستدعاء عناصره من كل ملة ودين لممارسة غواياتهم في تلك الساحة المفتوحة، ومن ثم الانتقال منها بكل الشرور والأوزار إلى بقية دول العالم، وصولا إلى فرض هذا الواقع المتأزم الذي لن يكون هنالك من أحد بمعزل عن آثاره، والذي بدأ العالم كله يدفع فاتورته الباهظة بعد أن تفاقمت نتيجة الإهمال، والحسابات الخاطئة، ونتيجة تهوين أدوار تلك القوى الإقليمية التي أرادت السيطرة على المنطقة بمنطق بسط النفوذ والإرادة رغم أنف شعوبها. لقد تحولت الساحة السورية إلى حقل خصب لزراعة الإرهاب بفعل تعنت النظام وحلفائه، وبفعل تجاهل العالم لما يحدث في تلك الساحة، أو على الأقل غض الطرف عن تلك التدخلات السافرة في الشأنين السوري والعربي، ليجني العالم بالنتيجة هذه المحصلة، بعد أن أصبحت الأرض السورية مقرا لكل ألوان الإرهاب والتي لم تعد تنحصر فقط على إرهاب التطرف الديني المتمثل في داعش وأشباهها، وإنما أيضا باتت تتسع لكل الخارجين عن الأنظمة الدولية، وانتحارية باريس التي ثبت أنها لم تقرأ القرآن في حياتها تؤكد حقيقة أن ما حدث في سوريا قد لم شمل الإرهاب بكل أطيافه، ومنحه الساحة والمساحة لفرض أجندته على العالم، واجباره على دفع تلك الفاتورة الضخمة من الدماء البريئة، ومن القلق والتوتر والخوف من تكرار تلك الأعمال، بعد أن اختلطت الأوراق، ولم يعد لها عنوان واحد. لقد كان بوسع القوى الكبرى لو استجابت لنداءات المملكة، وثمنت مبادراتها بشيء من المسؤولية أن تحول بين تلك العناصر الشاذة وبين أن تجد الأرض والمجال الذي تفصح فيه عن ذواتها، وليس عن ذاتها لأنها تنتمي إلى ذوات متعددة، هذا ما كشفته الأحداث، وهو ما يستدعي اليوم تحركا دوليا واسعا، يبدأ أولا بتصفية الأزمة السورية، وإغلاق ساحتها أمام جحافل الإرهاب القادمة من كل حدب وصوب، ومن ثم الإعداد لإستراتيجية واضحة لمكافحة هذه الآفة بجهد دولي لا يستثني أحدا.