تراجيديا الدم والموت في باريس
الأعمال الإرهابية التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس امتداد لتراجيديا الدم والموت باسم الدين والعبث بقيمه، ولننظر إلى القضية بعيدا عن مسارها الديني ونكتفي بالجانب الإنساني للتدليل على أن الفاعلين لا يتمتعون بالحس الإنساني فضلا عن أن يرتقوا إلى اتخاذ دين لهم يرتكز إلى أسس إنسانية، وهذا العمل وما قبله وما سيأتي بعده لا توجد له منطلقات دينية على الإطلاق وإنما هو من بواعث ونزعات غير دينية ولا إنسانية تماما.الإنسانية ترفض في إطار الفطرة منظر الدم وانتهاك الأرواح وإرسالها إلى الجحيم، بحسب اعتقادهم، ولو أن أحدهم استعاد طفولته لربما كان يخاف رؤية الدم يسيل من ذبح دجاجة، حينها كانت الفطرة بريئة ولم تتلوث بالتشويش العقدي، والمفارقة حتى أن الدين الذي يدينون به أمر بحسن الذبح للبهائم ترفقا وسماحة ولطفا، فكيف بالإنسان؟! بالتالي فإننا أمام قضية لا تتعلق بمرجعية دينية وإنما إنسانية مفقودة يتعادل فيها الفرد مع الحيوانية التي يغيب فيها العقل، فما من دين يوجه أو يأمر بقتل الناس والأبرياء غدرا وغيلة.لا يمكننا الحديث عن الإرهاب في إطار ديني لأن الإسلام الذي يحمله هؤلاء غير ذلك جملة وتفصيلا، وإذا أحسنّا الاقتداء بتعاليمه فلن نجد فيه ما يسفك دما إلا بحق لمقاتل في ميدان حرب، أما أن يتم القتل انتقاما وتشفيا بصورة عشوائية وإجرامية فذلك يتماس مع سلوك مجرمي الجرائم المتسلسلة الذين يجدون لذة مرضية وجنونية في القتل والتمتع بسلب أرواح الأبرياء، وفي أغلب جرائمهم لم تكن هناك مبررات موضوعية وحقيقية لما ارتكبوه من بشاعات، وفي أفضل الأحوال يمكن لأحدهم أن يزعم بأن شكل الضحية لم يعجبه أو ضايقه.الذي حدث في فرنسا لا يمكن ربطه بدين ذلك كان ابتداء حين انطلقت تلك التنظيمات بشعارات الدين انتقاما ورد فعل لتدخلات غربية في شؤون دول المنطقة، رغم أن ذلك له مساراته السياسية ويمكن أن تكون المقاومة حقا مشروعا إذا انتفت القناعات التي يمكن أن تبرر التدخلات، أما أن يحمل هؤلاء ديننا سندا لهم في قتل الأبرياء فإننا وضحايا التفجيرات والرصاص سواء، لأنهم في الواقع لا يمثلوننا ولا علاقة لهم بديننا بما فيه من رحمة وتسامح واحترام للآخر دون أدنى اقتراب من المدنيين الآمنين، وإذا كانت لهؤلاء نيات انتقامية لأفعال عسكرية فبإمكانهم المواجهة في ميادين القتال وليس المسارح وملاعب الكرة، ولكنه الإجرام الذي لا أساس إنساني له وإنما وحشية وجنون وعبث بحياة الآخرين.