طرفة عبدالرحمن

هيلة القصير والتوبة الاجتماعية

ليست بعض الأعضاء الظاهرة في جسم الإنسان وحدها من يستمر في النمو والتضخم حتى الممات.. إنما يشمل هذا النمو والتغير الأمور غير الظاهرة، كالإحساس والمشاعر والأهم منها (الفكر). وعندما نقول إن الفكر يستمر بالنمو لا يعني هذا أننا نتحدث عن خط أو طريقة واحدة لهذا النمو عند الجميع، فكلمة النمو والتغيير الذي يعتري (الفكر) أو التفكير عند الإنسان ليست بالضرورة أن تكون للأفضل أو الأنفع، فهناك أشخاص كلما تقدم بهم العمر واعترى التغيير طريقة تفكيرهم تقهقروا للوراء وارتكبوا القرارات الخاطئة وربما الحماقات.. المهم من هذا؛ أنه من الطبيعي جدا أن يتغير تفكير الإنسان ويستمر في هذا التغير حتى اللحظات الأخيرة من عمره بل إن من غير الطبيعي أن يكون الإنسان على وتيرة واحدة من نمط التفكير عبر مراحل حياته المختلفة، لذلك علينا أن لا نعيب على شخص ما التغيير في بعض قناعاته أو طريقة تفكيره حول مسلمات في حياته، ونصفه أو نسميه حين يفعل ذلك بالمتذبذب الذي لا يحترم مبادئه، فهناك فرق جلي بين من يغير تفكيره أو مسلماته في بعض الأحيان لأسباب تتعلق بتغير الظروف التي يعيشها أو بسبب الانفتاح المعرفي والعلمي على بعض الحقائق والمعلومات وبين من يغير سلوكياته وتفكيره بطريقة سريعة في فترات زمنية متقاربة وبصورة متناقضة.. أحد أهم الرموز وأوضحها مثالا قضية (سيدة القاعدة) هيلة القصير التي أدلت في اعترافاتها لإحدى الصحف المحلية أن طريقة تفكيرها ونظرتها للحياة قد تغيرت تماما وأنها نادمة أشد الندم على المصير الذي آلت له.. ورغم أن كثيرين قد شككوا في صحة نواياها وحديثها الذي طلت علينا به إلا أني أرى أنه (من الممكن) أن يكون صحيحا، وليس المهم هنا قضية صدق «القصير» من عدمها، المهم أنه وارد جدا جدا أن يكون هناك تغيير في طريقة تفكير الإنسان عبر مراحل حياته المختلفة وأن يحدث هذا من النقيض إلى النقيض، وليس من حقنا ان نصم أي شخص يفعل هذا بالمتقلب أو المتخبط طالما أن قضيته ومنطقه الذي يفكر به لا يمس حرياتنا وحقوقنا. قضية القصير أثبتت أنه وعبر جملة من التحولات التعليمية والاقتصادية والثقافية للمجتمع إلا أنه لا يزال تقليديا صرفا في طريقة التفكير والتعاطي مع بعض الأحداث.. فهو لا يزال ينتهج سلوك (الوصم) وهو وصم الجاني بجريمته حتى بعد إعلان توبته الاجتماعية واستيفائه العقوبة المقررة بحقه، ليس هذا فحسب بل إن العار لا يلاحق الجاني وتاريخه الماضي والمستقبلي بل إنه يلصق بأهله وأقاربه الذين يدفعون الثمن بغير ذنب ارتكبوه.! ورغم أن هذا السلوك الجمعي الخالي من العدل يحمل إيجابية واحدة وهي؛ أنه يعد أحد أساليب الضبط الاجتماعي غير الرسمي الذي يردع الأفراد (أحيانا) عن ارتكاب بعض الجرائم أو السلوكيات الشاذة والخاطئة، إلا أنه يظل ضمن نطاق العادات والتصرفات البشرية القاسية بحق أفرادها، لأنه سلوك غير منصف يحمل البشر أوزارا وذنوبا اجتماعية لم يرتكبوها، كما أنه يعلي من قيمة الجماعة مقابل قيمة الفرد الواحد، وهي مبادئ تعارض سنة التقدم الحضاري والبشري، الذي يهتم بقيمة الإنسان الواحد وحقوقه ومبادئه ولا يحمله تحت أي اعتبار أخطاء أو زلات غيره فضلا عن جرائمه.