د.ابراهيم العثيمين

هندسة الأمن الخليجي في ظل عالم بلا سلطة «أناركي»

ضمن منتدى معهد بيروت الذي عقد في أبوظبي يوم السبت 10 أكتوبر 2015، تحدث معالي الأمين العام لمجلس التعاون الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني عن مجموعة من التحديات التي تواجه المنطقة بشكل عام ودول المجلس بشكل خاص، كان أبرزها خطر داعش الارهابي، والأوضاع الأمنية في سوريا والعراق واليمن وليبيا، والأراضي الفلسطينية المحتلة. كما تحدث معالي الامين العام عن ان هناك ايضا تحديات أخرى تسهم في الاستقرار الاقليمي بما فيها تقلبات أسعار الطاقة، والموارد الطبيعية الآخذة في النضوب، اضافة الى تحديات التنمية البشرية. ولعلي هنا أعيد بعض الأفكار التي طرحتها في مقالات سابقة التي حاولت وضع تصور لردع ومواجهة أي تهديد خارجي يهدد أمن واستقرار دول المجلس والتي لخصتها في خمسة امور رئيسية. الأمر الأول: التحول من التعاون إلى الاتحاد، فتعاظم التحديات السياسية والأمنية والعسكرية على المستويين الإقليمي والدولي ومنها السياسات الإيرانية التدخلية في الشؤون الداخلية لدول المجلس وعدم الاستقرار في العراق والأوضاع في اليمن، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار التي تسود المنطقة العربية المتمثلة في تصاعد نزعة التفتيت على أسس طائفية أو جهوية بالإضافة ايضا الى اخطار الجماعات العابرة للحدود، تجعل تطوير تجربة المجلس نحو صيغة اتحادية خيارا ضروريا لكل دول المجلس وهو التطور الطبيعي للتنظيمات الاقليمية. وتقع على وسائل الاعلام مهمة كبرى في تسليط المزيد من الاضواء على مسألة الاتحاد الخليجي ومزاياه وأهميته الاستراتيجية لدول المجلس، حيث انه معني بحماية نفسه ومجتمعه وكيانه الخليجي، كما ان التكامل بين دول المجلس في قضايا الدفاع يعد أمرا مهما. الامر الثاني: التحول من التحالف القطبي الى تنوع التحالفات، وهنا اقصد تحالف دول المجلس مع الولايات المتحدة الامريكية، ولا أقصد إسقاط أكثر من ستة عقود من التحالف مع واشنطن منذ الرئيس الأمريكي روزفلت وحتى اليوم وإنما أقصد أن لدى دول الخليج في الوقت الحالي دوافع قوية تدفعها إلى بناء تحالفات إقليمية جديدة مع روسيا والصين والهند لمواجهة التغير في بنية النظام الدولي ما قد تترتب عليه في تغير في موازين القوى الاقليمية وكذلك لإعادة التوازن مع الولايات المتحدة الامريكية في حال أي تصعيد يهدد مصالح دول المجلس الحيوية بالمنطقة او يهدد امنها واستقرارها. وبالتالي فدول مجلس التعاون في حاجة ماسة الى بلورة مفهوم استراتيجي خليجي يحدد طبيعة تلك التحولات وتأثيرها على امنها الوطني والاقليمي، بحيث يكون ذلك المفهوم مكملا للميثاق المنشئ للمجلس ولا يتقاطع معه، بمعنى اخر يتعين على دول المجلس الاستعداد لمواجهة الاحتمالات كافة اقليميا ودوليا بما فيها تغير استراتيجيات الدول الكبرى تجاه المنطقة. الامر الثالث: التحول من الحوار مع الخارج الى الحوار مع الداخل، ففي سعي دول المجلس في تطوير علاقاتها مع الدول والمجموعات الاخرى بشكل متكامل وذلك عبر الحوار المتبادل حول المصالح والقضايا ذات الاهتمام المشترك، ومع اهمية هذا كله فإن الحوار الاهم لدول مجلس التعاون في هذه المرحلة هو الحوار مع الذات الذي يجب ان ينطلق من معالجة التراكم التاريخي المشحون بالخلافات الحدودية بين دوله والتي تؤثر في طبيعتها على مستقبل مجلس التعاون. فعلى دول الخليج تجاوز تلك الخلافات والشوائب العالقة وهي قادرة على ذلك. الامر الرابع: التحول من الصراع الى التسوية في الخلاف الايراني، فالخلاف بين دول المجلس وايران لا يمكن اختزاله في المسألة النووية، حيث انه لا تزال هناك قضايا خلافية عالقة بين دول مجلس التعاون وايران، كأزمة الجزر الاماراتية والدعم الإيراني للمليشيات الشيعية في البحرين والسعودية والكويت تسليحا وتدريبًا وكذلك شبكات التجسس الايرانية على دول الخليج، ومن ثم فإنه يجب على دول المجلس إعادة هيكلة الخطط الاستراتيجية في التعامل مع إيران من خلال التركيز على ايجاد حلول لتلك القضايا اولا عن طريق ايجاد وسائل جديدة للتعامل مع ايران مغايرة لما سبق بحيث تسفر عن ايجاد حلول لتلك الخلافات. الامر الخامس: التحول من الخلاف الى الاتفاق على مصادر التهديد، فعلى دول المجلس ضرورة الاتفاق على حد أدنى من مصادر التهديد المشتركة على الصعيدين الداخلي والخارجي كخطوة اولى حتى يمكن رسم سياسة امنية فاعلة للتصدي لتلك التهديدات. والا فإن عدم الاتفاق سوف يؤدي الى الترهل والضعف في التعاطي مع التهديدات والمخاطر التي تواجه دول المجلس.