محمد العلي

لمن هذه الفضائيات

حين تلجأ إلى التليفزيون مللا من ضوضاء الحياة وأملا في رؤية لون لا يكون ملطخا بالسواد.. فماذا ترى؟نراك بين (إما وإما) إما أن تشاهد ملاعب كرة قدم تدعوك الى أن تجعل عقلك في قدميك وتركض في متاهة مترامية الأطراف ولكن لا تعدم أن تنظر بين آونة وأخرى واحة صغيرة تسر الناظرين.وإما أن تشاهد ملاعب ذات طبيعة أخرى مختلفة، إنها تلك التي تدعوك الى أن تجعل عقلك في أذنيك من تفسير أحلامك وتقسيم حياتك وتحديد ما يجب أن تفعله قبل خلوك الى نفسك (لقضاء الحاجة) ليس هذا وحسب.. بل هم لا يتركون عقلك في أذنيك دون السعي الى إخماد ضوئه رويدا رويدا حتى يتحول الى قطعة حجرية.لن تعثر في هذا الفضاء الذي لا حدود له على فضائية فكرية واحدة وستضحك حتى تنفجر كبدك حين ترى عنوان (الثقافية) فهذه (الثقافيات) شاهدها وستكون شاكرا حين تشاهد فيها مشهدا فكريا.. ذلك لأن 99% من برامجها مصاغة تحت ظل الثقافة بمفهومها العام والسطحي المتشعب وهو لا علاقة له بالفكر.ترى ما السبب؟السبب هو استبعاد المثقفين الحقيقيين الذين يحملون هموم وطموحات مجتمعاتهم حتى تبقى الناس ماشية بلا عيون. إبعاد المثقفين الحقيقيين عن جميع الساحات سببه الخوف.. لأن المثقف لا يرضيه أن يتكلم بنصف لغة أو «يخاطب الناس بابن عم الكلام» أو بما يسمونه قديما «لحن القول» المثقف لا يتكلم في الغمد إنه كالسيف لا يقطع وهو في غمده.. وهذا ليس مخيفا فحسب بل تجب محاربته.أين المفر من هذا البؤس يا ترى؟ هل نلجأ إلى «عدمية» نيتشة ومن ساروا في متاهته ونعتبر كل ما بناه الإنسان على امتداد تاريخه حتى الهرم الفخم من القيم التي بناها عصر التنوير. وننسى ان هناك مصباحا يسمونه «الحداثة» ونسير في ظلمات بعضها فوق بعض، أم نجرب السباحة في السراب؟ هل نلجأ إلى الشعر الذي يقول فيه الشاعر الجميل جاسم الصحيح «إنه الشعر الريشة الوحيدة التي سقطت من أجنحة العنقاء»؟، لكن هذا المستحيل الممكن نسبي بطبيعته.. ذهب سحره وتعرى من البلاغة.. أصبح بستانا بلا سياج يدخل اليه من لا تعجبه الأشجار ولا تغريد الطيور وابتعد عنه اهله.. أصبحوا شتاتا وانصرفت عنهم الأسماع. هل لك رأي آخر؟