نورة والعنف ونوبل
تابعت حصول البيلاروسية (سفيتلانا ألكسيفيتش) على جائزة نوبل للآداب فرع الرواية؛ لأكثر من سبب. الأول: أن هذه السيدة أول "كاتبة صحفية" تحصل على هذه الجائزة، وهذا مسار مبارك لكتاب الصحافة لعلهم يضيفون إلى إبداعهم الصحفي إبداعاً جديدا ويجربون في ميدان الرواية؛ ليكون ذلك طريقاً موازياً إلى الجائزة. السبب الآخر: أنه عند التعريف بالفائزة من قبل الجهة المنظمة للجائزة كان هناك إشارة إلى أن السيدة نورة أو نوَّاره وهذا معنى اسمها كما أفهمه عن اللغة الروسية، كانت من المناوئين لسياسة بلادها! قبل كل شيء من المفترض أن هناك سياسات تتخذها هذه الدولة أو تلك تكون جائرة أو غير عادلة خاصة في الميادين الإنسانية، ومع ذلك أقول أن يكون اختيار المبدع أو أحد أسبابه أن يكون مناوئا لسياسة بلاده أحد عناصر الاختيار للترشيح لمثل هذه الجائزة التي تحظى بسمعة دولية أمر غير مفهوم، وغير مرحب به ربما عند كثير من الناس؛ لأن الأساس الذي من المفترض نظريا أن تقوم عليه أوجه التقييم والاختيار، وبالتالي نيل الجائزة يجب أن تكون عوامل لصيقة بعملية الإبداع، ولا أفهم علاقة الجائزة بالعمل السياسي السلبي من قبل المبدعين تجاه أوطانهم ومجتمعاتهم إلا تحريضا على العنف. الغريب أن إحدى المقولات التي صادفتها على لسان الفائزة، تقول: "من المروع حقاً، أن يشرع الناس في إطلاق الرصاص بدلاً من الحوار" وهنا إصرار جميل على أن الأدب والثقافة نقيض للعنف الذي يُراد له أن يصبح أساسا للعملية الإبداعية.في الهند التي ينظر إليها على أنها بلاد التعدد بأشكاله وألوانه استوقفتني العبارات التي قالها السيد رئيس الوزراء الهندي على إثر مقتل رجل هندي "مسلم" يشتبه بأنه أكل لحم بقر. أقل ما يمكن تفسير الخبر به أن ظاهرة التسامح الديني في قارة من الأديان والأعراق في خطر حقيقي. مسكين ذلك القروي الفقير الذي اشتبه بأنه شَبِع لحماً، فاشبِع ضربا حتى مات. ومسكينة مسارات التفاهم والتسامح بين البشر إذا أصبحت هذه هي صيغة التعامل المتاحة. السيد رئيس الوزراء نُقل عنه حرفياً حول الحادثة قوله: "إن ما جرى محزن، وغير مرحب به" القصة الكاملة للحادثة تختبئ خلف أحد أوجه الصراع السياسي في الهند؛ لأن هناك سياسيين يوصفون بالقوميين الهندوس دافعوا عن مرتكبي الجريمة. وأياً كانت المواقف وجذورها في المجتمع السياسي الهندي، فكل الخوف على ضياع التسامح الإنساني الذي عرفت به الشخصية الهندية.برلمان مدينة كوسوفو شهد خلال أسبوع واحد عمليتي إطلاق غاز مُسَيّل للدموع داخل مبنى البرلمان، مصدر إطلاق الغاز من نواب في البرلمان! الصور التي اطلع عليها العالم للحادثة غير مألوفة، بل مروعة. خاصة في هذا المكان الذي يلتقي فيه نواب الشعب؛ لتقرير المفيد والصالح للناس، من المؤكد أن وراء الحكاية سرا خفيا، يتمحور حول رفض النواب لاتفاق مع صربيا برعاية الاتحاد الأوروبي، يقال إنه سيمنح المناطق الصربية العرقية في كوسوفو سلطات محلية أكبر. وهذا ما يراه البعض تهديداً مباشرا لاستقلال كوسوفو. أيا كانت القصة الكاملة فمن المؤكد أن هذا الموقع بحصانته ومكانته الرمزية لم يصبح مكانا للعنف بدلا عن الحوار، إلا لأن هناك مسارات تدفع الناس للطرق المسدودة، التي وصفها الشاعر العربي القديم بقوله: «كلما أنبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سناناً».مشاكل الهجرة إلى أوروبا ضاغطة على صناع القرار في الاتحاد الأوروبي، هذا أمر تعكسه التحركات السياسية بين القادة هناك. وجزء من ذلك الحراك السياسي الإنساني دفع ١٠٠ نائب من البرلمان الألماني إلى محاكاة، ومعايشة ظروفه اللصيقة بالمخاطرة، والخوف والرحلة إلى المجهول، حيث ركبوا أحد قوارب اللاجئين وطافوا بها في احد الأنهر في العاصمة. القارب المصمم لنقل ثلاثين راكبا تزاحم فيه مائة راكب، تحت أشعة الشمس ودون وجود مرافق ولا دورات مياه، ولا وجبات طعام. هدف التجربة من قبل البرلمانيين هو تَمَثْل الشعور بمعاناة اللاجئين. أحد النواب علق على التجربة بقوله: "ظروف لا يمكن تصورها في مثل هذا القارب".وقفة: تفحص بعض الأخبار، يضعنا في مسارات أخرى للفهم.. إلى اللقاء.