د. محمد حامد الغامدي

غموض طريق الماء والغذاء

نقلت (واس) خبر اجتماع خاص في وزارة الزراعة. الموضوع مناقشة برنامج تطوير وتأهيل المدرجات الزراعية في الجنوب الغربي من المملكة. كان ذلك في الرياض (19 ذو القعدة 1436) الموافق (3 سبتمبر 2015). الموضوع مهم بكل حذافيره. لكن هل البرنامج نتاج خطة تعتمد على استراتيجية لها رؤية؟! هل الموضوع في دائرة العشوائية والاجتهادات؟! تعودنا عليها منذ أربعة عقود. المشكلة تظهر في اسم البرنامج. العرب تقول: (البعرة تدل على البعير). كيف يمكن تأهيل وتطوير حيازات تاريخية ميتة؟! هل عثرت وزارة الزراعة على طريقة لضخ الحياة في مدرجات كانت تحت مظلة التجاهل وما زالت؟! متى تعلن الوزارة عن برنامجها لتتولد القناعة والثقة في اجتماعاتهم وتصريحاتهم؟! لم تحقق إلا المزيد من استنزاف المياه الجوفية. المزيد من التوسعات الزراعية العشوائية. المزيد من القلق على مستقبل الماء والغذاء.عوّدتنا وزارة الزراعة ببرامج أثبتت فشلها عبر أربعة عقود مضت. تأتي الرؤية ثم تتحول بقدرة قادر مباشرة إلى برنامج. تلك تمثل كآبة الموقف والمصير. طريق حملنا إلى استنزاف المياه الجوفية. إلى خسارة مليارات الأمول دون تحقيق زراعة مستدامة. لكن (من جرف إلى دحديرة) كما يقول مثل قريتي التي تصحرت. تهدمت مدرجاتها. ماتت بساتينها. جفت مياهها. أهل العلم يقولون: الرؤية أولا، ثم رسم الاستراتيجية ثانيا. وعليها يعتمد التخطيط ثالثا. بدوره يبني البرامج رابعا. لكن من الرؤية إلى البرامج مباشرة فهذا قصور ومنقصة. ما يجري في الوزارة حتى اليوم أقرب إلى العبث والضياع. كلمات الخبر تجعل تحقيق البرنامج أقرب إلى الخيال. يوضح أن الوزارة تقوم بتطوير وتأهيل المدرجات الزراعية في الجنوب الغربي من المملكة. الوزارة لم تقم حتى الآن بأي شيء. ما زال حبرا على ورق. لكنهم يتطلعون إلى إنتاج بعض المحاصيل الإستراتيجية، باستخدام الطرق والتقنيات المناسبة لحصاد مياه الأمطار. يؤكدون أن برنامج تأهيل المدرجات الزراعية يسهم في إنتاج محاصيل استراتيجية مهمة، تلبي أهداف الأمن الغذائي ومتطلبات التنمية الزراعية المستدامة. بالإضافة إلى تحسين ظروف المزارعين الاقتصادية. وزيادة كفاءة استخدام مياه الأمطار. وتوفير فرص عمل للمواطنين. وتطوير النشاط الزراعي في تلك المناطق. والحد من الهجرة إلى المدن.لاحظوا العك الذي ينبئ بالاجتهاد البعيد عن أي خطة تعتمد على استراتيجية. كل جملة تحتاج إلى مسار مستقل ببرامج مستقلة. السؤال الأهم هل تستطيع الوزارة تطوير وتأهيل المدرجات الزراعية القائمة؟! عمليّا تواجه الاستحالة. أقولها بنوع من التحدي. كأن الوزارة كتبت لبرنامجها الفشل قبل التنفيذ. كلمات تنبئ باجتهادات لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع. الاثبات العلمي بمؤشراته تتجاهله الوزارة. الموضوع ليس خواطر وأماني.كلام الوزارة جاء بعد أكثر من ثلاثة عقود على بداية مقالات كتبتها عن المدرجات الزراعية. ثم في عام (1995) أجريت بحثا علميا بعنوان: ممارسات صيد مياه الأمطار في المناطق الجافة. دراسة حالة التراث المهاري لأهالي بلاد غامد وزهران في المملكة العربية السعودية. لم تتوقف مقالاتي عن المدرجات الزراعية وأهميتها في صيد ماء المطر وتغذية المياه الجوفية. ثم كتبت عن الزراعة الجافة لهذه المناطق. ثم وضعت بعضا من المقالات في كتابي: (الماء يبحث عن إدارة). وهناك كتاب آخر سيتم طرحه في الاسواق قريبا. سيحوي الكثير من المعلومات لصالح الغذاء والماء في المملكة. واجب علينا أن نقول: الحمد لله على سلامة وصول وزارة الزراعة مشارف الجنوب الغربي من المملكة، لتأهيل المدرجات الزراعية. هل تستطيعون في ظل أكثر من أربعة عقود من الاهمال والنسيان؟! الصحوة جاءت متأخرة. إذا كان الهدف تأهيل المدرجات التاريخية القائمة فأبشروا بالفشل. وقد تعودنا على ذلك. لا تتخيلوا مقدار سعادتي عندما أسمع، أو أقرأ، أو أشاهد تحقيق ما ناديت به خلال الثلاثة العقود الماضية. البعض يصر على أنهم يسرقون أفكاري وجهدي. أقول: لا. الوطن ومصالح الأجيال القادمة أهم. ليتهم يتبنونها ويوظفونها بطريقة صحيحة. الوطن يحتاج كل جهد وكل علم وفكر. القضية قضية مستقبل. الجميع جنود لهذا الوطن. يا حبيبتي يا وزارة الزراعة.. الأمر يحتاج الى أكبر وأكثر من مجرد التأهيل. ستكتشفون حجم حماقة الإهمال والتجاهل. اهمال هذه المناطق المطرية الزراعية التاريخية كان هفوة تاريخية. هذا المقال الأول في سلسلة مقالات جديدة. ستساعد في بناء طريق الماء والغذاء للأجيال القادمة. هذا إن أعطت الوزارة للأمر أهميّة. ويستمر الحديث بعنوان آخر.