مَنّ المسؤول عن صَون «الأخوة الوطنية»؟
عايش الوطن الغالي على مدى الأشهر المنصرمة أحداثاً دامية، أخذت أرواحاً بريئة. ورغم الشر الذي لفَ تلك العمليات الإرهابية التي استهدفت القتل، إلا أنها أفرزت التفافاً وتنادياً وطنياً بعد كل عملية إرهابية، مما حاصر مسعى المدبرين فجعل مبتغاهم بعيد المنال. وفي غمرة الأسابيع المنصرمة، كانت الثقة بالله جَلّت قدرته وتعالى شأنه باعثاً للقوة وللتماسك لمن فقدوا أعزاء لهم غدراً، ملفوفة بالتباهي بأن هناك من استشهد ليُفشِل كيد الكائدين، ليكتشف العدو قبل الصديق، ومن هو أخو لنا ومن يرفض أن يكون أخاً لنا، اكتشفوا أن هذا الوطن يقوم على الأخوة بين جميع مواطنيه -أو هكذا أفهمها- وتسمى الأخوة الوطنية، ومن أراد أن يرسم خطوطَ طول وعرض تُنَافرّ بين مواطني مملكتنا، فقد خابَ ظنه -بإذن الله- وحَبطَ تدبيره، وتكررت خيبته مرات عديدة، ففي كل واقعةٍ وتحدٍ نجد أن ذلك يزيدنا إصراراً على الالتفاف حول أرضنا ووطننا وقيادتنا ولوائها المعقود لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود. فهناك من لم يَفطن -جاهلاً أو متجاهلاً- أن ما يجمعنا هو سعة الإسلام وسماحته وليس ضيق المذهب والتشدد له. هذا أمرٌ لم يبدأ اليوم أو بالأمس، بل منذ قرون طويلة، في هذه الأرض المباركة، فلم نشهد تناحراً طائفياً قط بل تعايشاً وتآلفاً وحفاظاً على ما يجمع وليس على ما يفرق ويُشظي، فيجدر بنا ألا نسمح في وقتنا الراهن لأحدٍ -قاصداً أو غافلاً- أن يؤجج فيفرق، أو حتى أن يَبعث فتنةً، أو أن يدخلنا في هرج ومرج لا طائل منه إلا ضرر يلحق -لا قدر الله- بالسلم الاجتماعي.وفوق ذلك وتحته وقبله وبعده، فإن خيارنا أن نبقى سوياً، اتخذه الأباء والأجداد، ولن يشغلنا عن ذلك أمر، مهما كَثرّ المُشاغلون، وتعدد المزايدون. لقد قلنا في كلِ حين، وفي أوقاتِ جروحنا الغائرة، وعلى الملأ دون مواربة أو مداهنة: كلنا أبناء وطن واحد، وتراب واحد، ومصير واحد، لا نفاضل بين آلام وآلام، أو تضحيات وتضحيات، فكلها آلام وطننا الغالي، المملكة العربية السعودية. لكن ابتلينا بأن هناك من لا يريد أن يفهم بأنه عندما يتجاوز على مواطنٍ أو مواطنين فهو لا يستهدفهم شخصياً بل يستهدف مواطنتهم، وهذا استهداف للوطن ولأمنه في المقام الأول من خلال بث روح الفرقة والتمايز.في كل الفواجع التي سببها الإرهاب وابتليت بها بقاعٌ من وطننا، قالت تلك البقاع ببلاغةٍ صارخةٍ: إننا إخوة. هذه الكلمة الساحرة، تسخر الآن مِمَنّ أتى مُتأخراً ليقول كلمةً يستعصي إعرابُها وطنياً. أسيرُ في رِكاب أجداد الأجداد وآباء الآباء، ومع مَنّ ساروا مشيعين شهداء مملكتنا في كل حدبٍ وصوب، من الحدّ الجنوبي وحتى الدالوة والقديح والعنود وما بينها، قائلاً: من لا يعتقد بأخوة المواطنين في وطنهم فلا يستحق تلك الأخوة، بل هي منه براء. وأُضيف إن الصور الوطنية السعودية المشرقة لَغت المشاهد المؤلمة، صورٌ تحمل في ثناياها الإصرار على دَحرّ من يَدق بإسفين الطائفية والمناطقية والقبائلية والمذهبية، فالسياج الجامع هو المملكة العربية السعودية، هي وطنٌ لنا يَجمعنا، هكذا كان وهكذا سيكون بإذن الله وفضله، وفيما عدا ذلك فهي أقوالٌ يابسة كأوراق الخريف، لا تكاد أن تسمع حَفيفها قليلاً حتى تسحبها الريح بعيداً عن ساحة الشجرة الوارفة. ولما نَذكر من يَنفخ في قرن الفرقة وننسى مواقف وطنية دالة تجاوزت المقالات والزيارات من الوفود الرسمية والأهلية على استذكار ذلك في الخطب الافتتاحية للمناسبات الوطنية. بل يجدر هنا أن نستذكر جميعاً ما قاله خادم الحرمين الشريفين مؤخراً، ما نصه: "إن أنظمة الدولة تتكامل في صيانة الحقوق، وتحقيق العدل، وكفالة حرية التعبير، والتصدي لأسباب التفرقة ودواعيها، وعدم التمييز"، وبين -يرعاه الله- أن "لا فرق بين مواطن وآخر، ولا بين منطقة وأخرى، فأبناء الوطن متساوون في الحقوق والواجبات، ولقد نصّ النظام الأساسي للحكم على أن تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية".وما ندركه جميعاً وبمرارة أن التحريض يؤدي إلى التكاره، ويتطور حتى يستمرئ انتهاك الحرمات. ومكافحة ذلك مسؤولية متعددة، فهي مسؤولية فردية تقع على عاتق كلٍ منا، تعزيزاً للُحمتنا الوطنية، ونربأ بأي سعودي أن يُحرض على سعودي آخر أو يمتهنه بصورة أو بأخرى. وكذلك هي مسؤولية الأسرة (كل أسرة مواطنة وكل حمولة) أن تسعى سعياً حثيثاً لمنع خطاب الكراهية من أن يدخل من النوافذ والأبواب أو حتى من التلفاز والراديو وقنوات التواصل الاجتماعي. وهي مسؤولية مؤسسات المجتمع وتكويناته، فللمسجد والمدرسة والجامعة، بل حتى لأماكن العمل دور أساسي في تنقية الخطاب من التكاره بين مكونات المجتمع، فالتكاره يعني التفتت والتناثر والتشتت، وبالتالي الضعف والتخاذل، في حين أن من واجبنا الوطني تقوية وطننا، والحفاظ عليه سيداً عزيزاً. وهي بالقطع مسؤولية كل مَنّ لديه تكليف رسمي في قطاعات الدولة ومؤسساتها، فعليهم تنفيذ توجيهات المليك بحذافيرها وتطبيق أنظمة الدولة ولوائحها.ولتحديد الواجب الذي على كل منا أن يقوم به لِزاماً، ولإيجاد أداة قانونية للردع، فأساسي وضع هيكلية لمكافحة الافتئات على الوحدة الوطنية، وهي تشمل الوطن ومكوناته ومكتسباته، وعلينا هنا ألا نستثني أحداً، بل أن يشمل الأمر أي مواطن طبيعي أو اعتباري أو مقيم في المملكة أو مكلف غير مقيم ممن له مصالح في بلدنا، وبالقطع فالنظام (القانون) سيُجرّم كل محرض ثبت تحريضه، أو من تدور حوله شبهة التحريض بدون استثناء، فالقضية ليست دفاعاً إلا عن الوطن برمته وأداء لحقوقه، والهدف ألا يتمكن أحد من إيذاء "الأخوة الوطنية" التي تجمع كل المواطنين، فالحفاظ عليها واحترامها وتقديرها وصيانتها والبرّ بها ليس خياراً لأي منا بل واجب، يُعاقب من يُقصر في أدائه.