اقطع العلاقات الدبلوماسية
في مقال الأسبوع الماضي وفي هذه المساحة كان الحديث عن الدول المريضة بالتخريب، والتدخل في شؤون الدول الأخرى، ولفتني تعليق لأحد القراء الكرام المواظبين على القراءة والتعليق، وله كل الشكر على ذلك، حيث عبر بطريقة مباشرة لمواجهة الدول المريضة والمخربة برأيه أن تقطع العلاقات الدبلوماسية معها، وفي الحقيقة أن هذا الرأي فيه الكثير من الدبلوماسية ولا يبتعد كثيرا عن معطيات وروح القانون الدولي الذي يسعى لتنظيم علاقات الدول حيث أدرجت عملية قطع العلاقات ضمن التصرفات المتوقّعة بين أعضاء المنظومة الدولية، ولكن في حالات خاصة ومعروفة، وهذه الحالات تكاد تكون مألوفة لأهل الاختصاص والمشتغلين بالدبلوماسية وحقل العلاقات الدولية، الأمر الذي حفّزني على أن أستحضر ما بقي في الذاكرة من هذه الحالات، وعلاوة على ذلك سعيت وبسرعة لما تيسر لي من المصادر العلمية الرصينة التي تساعد على إلقاء الضوء على موضوع قطع العلاقات بين الدول، ليكون هذا المقال والذي أسعى أن أعرض فيه هذه الحالة الفريدة، ونظرا لعمق الموضوع وتشعب فقراته، سأحاول التجاوب مع رغبة القارئ الكريم والتمحور حول أهمية وجود علاقات دبلوماسية بين الدول، مع الإشارة إلى أهم الأسباب التي تؤدي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية فيما بينها. وابتداء، يجب الإقرار أن وجود علاقات طبيعية وعادية بين الدول عبر اشكال التمثيل الدبلوماسي المتعارف عليه أمر محمود وهو مبتغى كل الدول تقريبا، وذلك لأن المصادر العلمية تؤكد أن ما يعرف بالطبيعة الاجتماعية تسود علاقات الدول، وهذا يعني أن الاتصال هو جوهر الحياة الدولية. حيث تشجّع العلاقات المستمرة بين الدول على تشجيع التعاون المثمر في شتى المجالات، وتساعد على منع أي توتر قد يشوب الصلات والعلاقات المأمولة. وهنا يمكن التقرير إجمالا بأن كل دول العالم تسعى للمحافظة على علاقات لا تتأثر بالتقلبات التي تثور من حين إلى آخر في المجتمع الدولي. ومع ذلك، فقطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول أمر وارد، وتعرفه المصادر العلمية بأنه: «التعبير الانفرادي عن إرادة دولة ما في قطعها لوسيلة الاتصال العادية بينها وبين دولة أخرى عن طريق استدعاء البعثة الدبلوماسية المعتمدة لدى كل منهما». ومن المهم التأكيد على أن هذا التصرف الوارد في التعريف لا يحدث إلا على إثر أزمة في العلاقات بين الدول. من الواقعي التذكر بأن ميدان العلاقات الدولية يعج بأنواع التضارب في المصالح والمواقف المتضاربة، لذا تثور مبررات كثيرة تؤهّل لقطع العلاقات بين الدول، ولعل أكثر وأشهر الأسباب التي تركّز عليها الكتابات الدبلوماسية تتمحور حول. أولا: اعتداء دولة على حق دولة أخرى. كالتجسس في أرض دولة ما أو التدخل في شئونها الداخلية، بما يهدد سلامة أمنها من قبل أعضاء البعثة الدبلوماسية للدولة الأخرى، ثانيا: إشتعال حالة الحرب، وهنا تكون الدبلوماسية قد فقدت دورها، وبدأت لغة أخرى تحتل المكان، ومع ذلك فهناك مساران في هذه الحالة؛ المسار الأول يرى ضرورة أن تُقطع العلاقات الدبلوماسية تحت ما يُعرف بالأثر التلقائي للحرب، ويواجه هذا التيار فكر آخر يرى أن النزاع المسلح لا يؤدي بقوة القانون الدولي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية. ومن أشكال قطع العلاقات ما يُعرف بمذهب هالستين وهي فكرة فحواها الاعتراض على اعتراف دولة أو دول أخرى بدولة ثالثة، وهذا المبدأ طبقته الدبلوماسية الألمانية عندما هددت بقطع علاقاتها بالدول التي تعترف بوجود ألمانيا الشرقية. وهذا المبدأ شبه مختف من الممارسة في الحياة الدبلوماسية الدولية حالياً. كما تُقطع العلاقات بين الدول بناء على قرار لمنظمة دولية تحث أعضاءها على قطع العلاقات الدبلوماسية بدولة ما على سبيل التأديب والتنظيم. كما قد يكون قطع العلاقات لرفض الاعتراف بنظام جديد أو تحول طارئ في دولة ما؛ من ذلك قطع العلاقات مع أفغانستان بعد التدخّل السوفيتي فيها لإقامة نظام شيوعي نهاية القرن الماضي. ويحدث أن يكون قطع العلاقات الدبلوماسية بهدف التضامن مع دولة أو دول أخرى؛ من ذلك قيام 26 دولة أفريقية بقطع علاقاتها مع إسرائيل في 1973م تضامنا مع المنظومة العربية في أزمة الشرق الأوسط. من المهم أن نتذكر أنه ليس ملزما لأي دولة إبداء أسبابها العلنية أو المخفية لقطع العلاقات، كما أنه ليس من حق الدول التي تمت بحقها قطع العلاقات المطالبة بمعرفة تلك الأسباب. الموضوع طويل، وربما فيه شيء من التشويق لمن يهتم بالشأن الدولي، قد تكون مناسبة أخرى نسعى لتفصيل أكثر في الموضوع، وتفريعاته.