انيسة الشريف مكي

زواج حضاري!!

كان رائعاً بكل المقاييس وسر روعته وتألقه تقصده عرض رسالة حضارية للمجتمع في ثوب البساطة الأنيق المزين بأسمى آيات الوعي الحضاري والفكر المتحضر بكل أشكاله وفنونه، كان أسطورة في ثوب البساطة الراقي جسّد عظمة ووعي الحضارة وبساطته في زمن الماديات زمن المظاهر والتفاخر والمبالغة في تكاليف الأفراح وليعيد للبعض تشكيل أذهانهم وأفكارهم وبرمجتها من جديد لصرفها نحو الرسالة الحضارية التي هي أصلاً رسالة الإسلام بكل شمولها ومضامينها وما تحمل.الوعي الحضاري والرقي الفكري كانا سمة هذا الزواج الذي حطم كل أشكال التنافس السائدة في الأعراس المتأثرة بمفاهيم الترفيه الاستهلاكية واعتبار الإسراف والمبالغة في التكاليف نوعاً من الوجاهة الاجتماعية التي يعتقد أصحابها أنه كلما زادت تكاليف الزواج كلما ظهر مستوى أصحابها المادي والاجتماعي بمظهر لائق اجتماعياً والمؤسف أنه لا يأتي عن جهل علمي وإنما عن جهل وعي حضاري يعيق مسيرة ثقافة رسالة حضارة.أثبت هذا الزواج بما لا يدع مجالاً للشك أن الحياة ليست مظاهر ووجاهة مادية، وأثبت أننا من يعقدها ببذخ وإسراف لا داعي منه، والله سبحانه لا يحب المسرفين «وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا» «"إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا" ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها، الحياة أبسط مما نتصور. أثبت هذا الزواج بأن طبيعة أصحابه من ذوي النفوس العظيمة لبساطته مع استطاعتهم المادية وأن نجاح حفلة العرس لم يكن يوماً بالتكاليف الباهظة كما يفعل البعض ، أبسط الأشياء غالباً ما تكون الأصدق و الأنجح والأفضل، المهم ما أود قوله الراحة النفسية التي غمرت الحضور، الكل سعيد الكل مبتسم، سهرة رقصت فيها المحبة رقصة الرضا والسعادة فنجحت حفلة العرس ونجح الهدف .كان كبيراً ببساطته، حياً بسمو النفس التي أصرت أن تكسبه حيوية ضمير وصفاء روح ونقاء فكر، لمسة فنية ساحرة من بساطة الزهور الطبيعية برائحة العطر التي تنبض بالحياة، عرس تميز بالذوق بالفن بالحضارة ووعي الحضارة وتطبيق رسالة الحضارة، كان عرساً تجلي فيه حسن التصرف وفن البساطة .أدهشني هذا العرس الذي جمع الكثير من المدعوين كبقية الأعراس إلاّ أنه ظهر بمظهر حفل عائلي، مجموعة مشاعر وأحاسيس تفيض بالحب والتقارب الودي والحميمة، الكل سعيد والكل فرح مستبشر ضاحك، عرس طرد خلفه كل المظاهر لسلبيات الأعراس والخلل في مفهومها الحقيقي الذي يفرز عدم استقرار أسر حديثة التكوين وعزوف عدد غير قليل من الشبان عن الزواج متأثرين بتجارب من سبقوهم،وتفشي ظاهرة العنوسة، فكان عرساً تتجلى فيه الحضارة بكل معانيها أهمها الحسي الثقافي الاجتماعي والروحي الذي هدف لشيء أكبر، هدف لبزوغ شمس تضيء الطريق للمقبلين على الزواج فلا ديون بعد الزواج ولا قروض تنوء عن حملها الجبال محا كل دافع للمشاكل العائلية التي تعقب كل زواج بإسهامه في تنوير الوعي وإصلاح الذهن في انطلاقة لحضارة وثقافة جديدة تحقق رسالة بدأت بالفعل من هذا الزواج المميز الذي أزال كل غشاوة للماضي والحاضر والمستقبل -بإذن الله- للكثير ممن ضلت رؤيتهم عن دروب الواقع وعن المدخل الحضاري الرئيس فدخلوا عبر مسارات ضيقة لأفكار معاكسة فتاهوا في شوارع الوهم وفشلوا في التخطيط الذي قادهم للتخطيط للفشل .ثقافة هذا الزواج ترفض التباهي والمغالاة وترفض أن تكون مقياساً للمستوى الاجتماعي والمادي حتى لا تستيقظ بعد غفوتها وتصحو على أكوام من المشكلات العائلية.شهر عسل واحد وبقية الأشهر بل السنين والعريس جمل الساقية مغمض العينيين يدور في حلقة مفرغة والذي كان حلماً أصبح كابوساً والعروس أهم شخصية تتكرر في كوابيس منامه.أعتقد أن التقصير سببه المجتمع بكل فئاته، فقصور عملية الإرشاد والتوعية لمعالجة مشاكل الشباب خاصة مشكلة الزواج وتكاليفه واضحة، لذا أتمنى على كل مسئول عبر كل الوسائل الإعلامية تشجيع الأعراف الاجتماعية الطيبة التي تساعد على تيسير الزواج كما فعلت هذه الأسرة، ولتكن البداية بوجهاء المجتمع مشكورين.وبكل فخر أشيد بالزواج الذي حدثتكم عنه والذي قصد منه توصيل رسالة للمجتمع، كان زواج المهندس - هندسة بترول -/ المهند علي الغامدي جعله الله موفقاً بإذنه تعالى.