د. فالح العجمي

قدرات الإنسان الكامنة

يتصور أغلب الناس أن للقدرات البشرية حدوداً لا يمكن أن تتجاوزها؛ تتمثل في إمكانات الجسد، وربما بعض القدرات الإضافية بمعاونة الأدوات المبتكرة، التي تتطور باستمرار ليتمكن الإنسان من عمل أشياء لم يكن يخطر بباله أنه قادر على القيام بها. بالطبع سيتجه الذهن عند قراءة هذا التحليل إلى ما توصل إليه العقل البشري في الآونة الأخيرة من ابتكارات تساوي في كل عقد من الزمان أكثر مما تنتجه البشرية في قرون متعددة. وذلك بسبب التقدم العلمي الهائل الذي جعل قفزات التكنولوجيا تتسابق مع النتائج العلمية التطبيقية، لتتنافس الشركات والمصانع في الحصول على براءات الابتكار، والاستفادة منها في تصنيع أجيال متقدمة عما سبقها من تكنولوجيا مستخدمة ومن أدوات بأيدي الناس. فأصبحت الطائرات بنوعيها المدني والعسكري مختلفة كلياً، إن صحّ إدراجها مع أجيالها السابقة في مصطلح واحد، وتنامت إمكانات الدقة الشديدة في كاميرات التصوير، سواء منها ما هو مثبت في وسائل النقل وأيضاً في الأجهزة العسكرية، أو ما هو مخصص للتصوير لدى المحترفين أو الهواة، من تصوير للطبيعة أو الكائنات الدقيقة أو التصوير الليلي، وغيرها من ظروف التصوير الصعبة المرتبطة بمغامرات شديدة. هذا عدا الأجهزة والرقائق الالكترونية المتقدمة التي تساعد كل تلك المبتكرات في الأداء الجيد، والتطوير المستمر من خلال دعمها بأجيال أكثر كفاءة من تلك الرقائق والأجهزة. لكن ما لا تتجه إليه أذهان عموم الناس غالباً عند ذكر قدرات الإنسان العجيبة والمدهشة، هو ما يتعلق ببعض الممارسات التي يقوم بها أناس في طقوسهم الشعبية أو الدينية الموغلة في المحلية، مما يستغرب معه المشاهد أن يكون ذلك ممكناً على الإطلاق. ومن ذلك ما يشاهده المتابع لاحتفالات أهالي جزيرة بالي، مما يُسمى "السرحات" (Trance)، حيث يقعون في حالات شديدة التفصّم، ويفعلون أشياء مدهشة للغاية – مثل قضم رؤوس الفراخ وهي على قيد الحياة، وطعن الذات بالخناجر، والقيام بحركات هائجة في الجسد، والتكلم بأصوات غريبة، والقيام بحركات توازنية إعجازية، وتقليد كل الأوضاع الممكنة دون كلام. وهذه العروض من المكونات الأساسية في كل احتفال، حيث يوجد بين خمسين وستين من الأشخاص الذين يقعون على التوالي مثل سلسلة المفرقعات النارية التي تنطلق واحدة إثر أخرى. وعند إفاقتهم من إغماءاتهم تلك، التي قد تستغرق مدة تتراوح بين خمس دقائق وبضع ساعات، لا تكون لديهم أي فكرة عما فعلوا في ذلك الوقت. ولكنهم مع ذلك يكونون على قناعة بأنهم -على الرغم من عدم تذكرهم ما فعلوا - قد مروا بتجربة مُرضية وممتعة، كأمتع ما يمكن للمرء أن يعيش من التجارب. أما الحالات الأخرى غير الطبيعية أو المعتادة لقدرات البشر، فتتمثل فيما يُسمى "القدرات الداخلية"، أو الطاقة الكامنة لدى الإنسان، التي يسميها بعضهم "الروح العالية"؛ حيث يتمكن بواسطتها الفرد من تحقيق بعض ما يمكن أن يُطلق عليه "معجزات"، مما يكون تقديراً فوق الطبيعي عند الإنسان بالمواصفات المعتادة. فقد استطاع بعض المصابين بأمراض خطيرة مثل السرطان التغلب على فتكها من خلال هذه القوة الداخلية، كما كانت هناك قدرات خارقة عند بعض الآباء والأمهات لإنقاذ أطفالهم من كوارث طبيعية، أو من بعض الحيوانات المفترسة، مما لا يصدقه إلا من رآه أو عرف صدق وقوعه. ومثل ذلك يتيسر أيضاً عند بعض المصابين بإعاقة تمنعهم من ممارسات بعض هواياتهم؛ فيكون تركيز القدرات -كما يصور ذلك بعض المتخصصين- في أعضاء أخرى يستطيع من خلالها المعاق أو الأم المكلومة أن يحصلوا على طاقة خلاقة.