جرس المدرسة!
دقت طبول وأجراس المدارس والجامعات معلنة بداية عام دراسي جديد، بعد إجازة طويلة وسيعقبها إجازة أخرى بعد وقت قصير!! ولكن السؤال هل الطلاب بعد هذه المدة سيرجعون إلى مدارسهم وجامعاتهم برغبة أم برهبة؟. وهل فقدوا ذلك الإحساس الجميل الذي تجده عند طفل المرحلة التمهيدية والابتدائية حين تسأله عن المدرسة، فيجيب فرحا: نعم أحبها!ما الذي تغير على ذلك الطالب ؟ لقد كبر وفهم وعرف أكثر! ولست ألومه ولا ألوم من كان مثله من الطلاب حين تغيرت أحاسيسهم ومشاعرهم نحو المدرسة أو الجامعة. ولا ألومهم أيضا إن كانوا لا يحبون العلوم والآداب ولا حتى الكتب! لأن وراء ذلك أسبابا عدة ومختلفة.منها أننا لا نردد ولا نحكي على مسامعهم كثيرا عن أخبار وأحاديث الأعلام والمشاهير من العلماء، من أمثال ابن حيان في الكيمياء والصيدلة، والخوارزمي في الجبر والفلك، والكندي في الفيزياء وعلم المعادن، وابن الهيثم في البصريات، والرازي في طب العيون والفلك، وابن سينا في الطب والفلسفة، والخليل بن أحمد وسيبويه في النحو والبلاغة، وغيرهم بالعشرات، بل هم بالمئات. كنا نعد كل عالم منهم قامة وقمة في فنه وعلمه، ولو عاشوا في عصرنا لحصدوا جميع جوائز نوبل العلمية والأدبية بلا منازع!، لكنهم عاشوا في وقت مضى، وقد كانوا لمئات السنين قدوات ونجوما يُقتدى بهم في الغرب قبل الشرق.وأما اليوم وللأسف فقد تغير الوضع حيث إن أكثرهم لا يعرف من هؤلاء العلماء النجوم أصلا، لأن النجوم عندهم هم أهل الفن والطرب والرياضة. وتصبح المسألة جدا صعبة حين تحاول إقناعهم أن العلم نور، وأنه الأفضل والأرقى إذا كانوا يرون في التلفاز وأجهزة الكمبيوتر اللوحية غير ذلك.والمهمة تصبح أشق حين تريد أن تقنعهم أن الشهادات العلمية سبب للرزق والعلم إذا كان أهل الرياضة والفن يتقاضون الملايين، وأهل العلم من هندسة وطب وأدب ومن كان مثلهم يبحثون عن وظائف مرموقة!. أضف إلى ذلك أنهم يسمعون بين الحين والآخر أن عقد لاعب كرة قدم يكون بالملايين (اللهم لا حسد)، بينما العلماء والأكاديميون والمعلمون يتقاعد الواحد منهم بالكفاف!وأما أشدها وطأ حين نريد أن نحبب لهم العلوم والآداب (وخصوصا المراهقين ) إذا كان الإعلام المرئي والمسموع يطنطن ويطبل ليلا ونهارا بلا كلل ولا ملل على من يسمونهم بالنجوم، بينما أهل العلم التطبيقي والعلماء والبروفيسورات في مجال الفيزياء، الكيمياء، الأحياء، الطب والأدب وغيرها بالكاد يعرفهم أحد لو رآهم في الطريق!!.إذاً الحل لابد من التلميع والدعم الإعلامي والمادي من القطاع العام والخاص لمثل هؤلاء العلماء الذين يعيشون في زماننا، كما فعل الذين من قبلنا في زمنهم الذهبي . يذكر أن الجاحظ أهدى كتابه (الحيوان) إلى الوزير فأعطاه 5000 دينار (الدينار تقريبا 4.2غرام ذهب) !!. وكان المأمون يعطي رواتب بسخاء للعلماء الذين كانوا يعملون في بيت الحكمة من أمثال ثابت بن قرة، حنين بن إسحاق حيث يصل الراتب الشهري 500 دينار من غير الأعطيات والهبات! كل ذلك من أجل الترجمة ونشر العلوم. بل وصل الأمر أن يقوم من كان يعيش في الأندلس وهو الخليفة المستنصر بحجز ودفع 1000 دينار ذهب مقابل نسخة من كتاب الأغاني للأصفهاني قبل نزوله في مكتبات بغداد!!. وحين نقوم بذلك الحل سيتسابق الطلاب ملهوفين إلى المدرسة، وإلى العلم والأدب منهم من يفعله عشقا للعلم، ومنهم من أجل الشهرة، ومنهم حبا للمال والجاه!، وما ضرنا ولا يعيبنا أن نغري قلوب وعقول الطلاب بالمال للعلم والآداب!، فالعلم باق لنا وللأجيال القادمة. هو كالشجرة التي نغرسها اليوم ليستظل بها جيل الغد!وختاما، ليست المشكلة في الرياضة أو الفن الراقي الهادف لأنه جزء من منظومة الحضارة، ولكن العلم والأدب، والعلماء والأدباء هم أيضا يستحقون الملايين تلو الملايين لأنهم يبنون لنا حضارة وثقافة، ومنعة وقوة.