طرفة عبدالرحمن

الموت في سبيل السعادة

لا تتعجب كثيرا عندما تعرف قصص أموات قضوا وفي أعناقهم قلادات تحمل مفاتيح (زعم من قلدوها إياهم) بأنها للجنة.. لا تتعجب عندما ترى تصنيفا لتلك المفاتيح وأن احدها يعود للفردوس الأعلى.! لا تتعجب لأن هناك فئة أضل منها سبيلا، وهي التي ظنت أنها تتقرب إلى الله بقتل نفسها ونثر أشلائها في الهواء؛ بطريقة ساذجة ومخزية.. كنا نضحك ونتهكم أحيانا على تلك الحقب التاريخية التي تحكي مواقف رجال الدين من الكهنة والرهبان الذين باعوا على الناس ما يسمى بـ «صكوك الغفران» مقابل مبالغ مالية زعموا أنها تخلصهم وتنقيهم من خطاياهم لبلوغ رضا الرب والفوز بالجنة.!نضحكك ونتعجب كيف كانت عقول البشر تصدق مثل هذه المزاعم، والآن وبعد أن تصدرت الإنسانية مراتب عالية من التقدم العلمي والتحضر الإنساني بدرجة لم تبلغها كل الحضارات البشرية السابقة، نجد أفرادا يتقهقرون وينحطون بعقولهم إلى دركات سفلى من التفكير، تجعلهم متحفزين لتصديق أي نوع من الخزعبلات مهما كانت أوهامها وخياليتها وعدم إنسانيتها. فصدق أو لا تصدق أن حتى هذه اللحظة هناك بشر في عوالمنا العربية يقتلون، ويغتصبون الأموال والنساء، ويفجرون المساجد (باسم الدين) والأكثر غباء وانحطاطا للعقل البشري أن هناك فئة تصدق أن سياستهم تلك هي لتحقيق مطالب إقامة الدولة الإسلامية.! وليس الحديث هنا عن تنظيم داعش فقط، فهناك تنظيمات أخرى تمارس ذات السياسة ولكن بوجوه أخرى ولها قبول كبير عند بعض البشر. يبدو أن تاريخ التضليل الديني لم ينطو على أنفع من تلك الفكرة الدينية التي ذكرت أن رضا الله مرهون بعمارة الارض «بالمال والاستثمار فيه لخدمة البشر» فيبدو أن هناك من أدرك باكرا أن البشر لا يمكن تحريكهم في أي عمل أو فعل إلا عند استحثاث عواطفهم الدينية فاخترع فكرة مفادها؛ أن الخلاص وتطهير الذنوب يأتي من التقشف وجمع المال ليس لاكتنازه فقط وانما استثماره، وهي المشروع الديني الذي انتج رؤوس أموال عريضة تم استثمارها بجهد كبير فولدت الرأسمالية التي نعيشها الآن، وهي التي خلقت صفوة رجال أعمال واقتصاديين غربيين سيطروا على التجارة عالميا..وهذا ماتحدث عنه بالتفصيل والشرح العالم الألماني «ماكس فيبر» في نظرياته الاقتصادية والاجتماعية عن المذهب البروتستانتي وروح الرأسمالية. إذن العقول البشرية لا تنفك على مدى التاريخ عن الرغبة في الانقياد نحو أهداف معينة وتظل الأفكار الدينية متصدرة لتلك النزعات وما يحصل اليوم في عالمنا العربي أن هناك فئة قليلة لها أهداف سياسية تسيطر على فئة كبيرة بأدوات وضلالات دينية..ويبدو أن اليائسين من حياتهم والمكتئبين هم الفئة الأكثر استهدافا وانجذابا للضلالات الدينية، خاصة فئة المنتحرين ومن لديهم تحفزات لإنهاء حياتهم بصورة لا تشعرهم بالأسى عليها، وأولئك الزاهدين إلى درجة الحماقة في متع الحياة التي من الله بها على خلقه، فهؤلاء هم فئات تحاول أن تجد لها طريقا للعيش بسعادة، وذلك لأنها تعاني خللا نفسيا وفكريا يمنعها من القدرة على التأقلم مع الحياة والاستمتاع بالعيش فيها بصورة طبيعية.. لذلك نجدها تصدق بكل سذاجة ما يسوقه مجرمو السياسة من أوهام دينية تقفز على المنطق وتخالف الفطرة الإنسانية السوية.