حسن السبع

بهلوان بكل الألوان

مرة أخرى أستخدم العنوان نفسه. لكني أستخدمه هذه المرة بوحي من مسرحية (البهلوان) للروائي يوسف إدريس. ومع أن المسرحية كُتبت قبل أكثر من ثلاثة عقود إلا أنها مازالت تحتفظ بقيمتها الفنية، وتعبّر عن الواقع الراهن. يصور يوسف إدريس في مسرحية (البهلوان) بعضَ الأوساط الإعلامية وكأنها سيرك يستعرض فيه اللاعبون قدراتهم وشطارتهم، بعيداً عن أخلاق المهنة، وما تقتضيه من موضوعية، ونقل أمين للواقع. يستطيع البهلوان، أيا كان موقعه، أن يلعب ويرقص على أكثر من حبل. ومردَّ ذلك إلى غياب الرادع الأخلاقي. لذلك ينعى أحدُ شخصيات المسرحية الأخلاقَ بقوله: "شوقي مين وحافظ مين؟ مش شوقي ده اللي قال: "وإنما الأممُ الأخلاق ما بقيَتْ/ فإن هُمُو ذهبت أخلاقهم ذهبوا"؟ لو كان عاش للنهارده ما كانش استجرأ يقول الكلام ده.. كان لقى الأخلاق ذهبت والأمم اللي زينا لسه موجودة"! ولست أضيف جديدا إذا قلت إن بعض الأمراض الاجتماعية والأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها الأمم هي الثمار المرّة للأزمة الأخلاقية. اليوم، ونحن نعيش عصر الفضائيات والقنوات الإعلامية ذات المشارب والتوجهات المختلفة، هل خطر على بالك، وأنت تشاهد مذيعَ فضائيةٍ ما، سؤالٌ عن مقدار انسجامه مع المهمة الموكلة إليه؟ هل تساءلت عن مدى تناغم قِيَم ذلك المذيع وحقائقه الخاصة مع توجهات المؤسسة التي يعمل لها؟ ينتابني، أحيانا، هذا الفضول فأطرح تلك التساؤلات؛ تساؤلات قد تجعلني في نظر بعضهم رومانسيا حالما، في وقت أصبح فيه كل شيء برسم البيع. وليس غريبا أن تُدرجَ الرومانسية والغفلة في خانة واحدة. مع ذلك، أتساءل: ما عسى أن يقول هذا "الموظف" في مجالسه الخاصة، بعيدا عن أضواء كاميرا (المموّل). نعم، لو استثنيتَ ذلك الموظف المندمج مع دوره إلى درجة الذوبان، ماذا يمكن أن يقول من لم يندمج في اللعبة لو أتيح له، ذات يوم، كتابة مذكراته بتجرد؟ لا يوجد في الشرق ولا في الغرب منبر إعلامي محايد تماما، ويمكن هنا أن نذكّر بما حدث لعميدة صحافيي البيت الأبيض هيلين توماس التي قدمت اعتذارها ثم استقالتها على إثر تصريحاتها التي لا تتناغم مع سياسة الإدارة الأمريكية. مع ذلك، يبدو أن وضع من يعمل لحساب مؤسسة إعلامية مستقلة (ولو نسبيا) يختلف عن حال من يعمل لحساب إعلام نظام شمولي. فالأول لا يتعرض لضغوط نفسية مماثلة، ولا يقع في مآزق مشابهة. تذكرني مسرحية يوسف إدريس التي عبَّرت عن قدرة البهلوان على التلون، بمشهد معبِّر من مسرحية (كأسك يا وطن)، حيث يتم انتداب مسؤول حزبي لتقصي الحقائق والنظر في شكاوى الناس. وبدلا من الإصغاء لمطالب الناس، وإيجاد الحلول المناسبة لتحسين ظروف معيشتهم، راح يمطرهم بكلام منمّق فضفاض لا صلة له بالمشاكل المطروحة، ولا علاقة له بالواقع. كان أشبه بآلة تسجيل. وحين سأله غوَّار الطوشه قائلا: "سيدي حلَّفتك بالله. هلاَّ إنتَ مقتنع بها الكلام اللي عَمْ بتقوله"؟ وبالفصحى: "هل أنت مقتنع بما تقول؟".. وهو السؤال نفسه الذي طرحته بصيغة أخرى في بداية هذا المقال. عندئذ يستيقظ ضمير المسؤول الحزبي من سباته فيجهش بالبكاء قائلا: "خلّيها لربّك يا مواطن". وعندما سئل لماذا يبكي؟ قال: إنه يبكي على القيم والمبادئ التي فقدها. غير أن هنالك من تخلص من "عقدة" القيم والمبادئ، ممن لا يرفّ له جفن، ولا تدمع له عين.