طرفة عبدالرحمن

من يملك الإجابة عن هذا؟

عندما يحدث الاضطراب الاجتماعي في سلوك الأفراد عامة، فإن كثيرين يعجزون عن فهمه أو إدراكه بحجمه الحقيقي، وذلك لأن السلوك المتواتر في فعل البشر يصبح عادة غير مستنكرة بمرور الوقت حتى لو كان خاطئا أو ضارا.. على سبيل المثال عندما نفرط في ممارسة التواصل الاجتماعي مع الأقارب، والأصدقاء، وزملاء العمل، وآخرين تعارفنا بهم عبر (وسائل التقنية الاتصالية الحديثة، وبرامج التواصل الاجتماعي) ويصبح بعضنا مأسورين طوال يومهم بمتابعة يوميات الآخرين عبر برنامج «السناب شات» مثلا، والآخرون مشغولين بمتابعة يومياتهم أيضا، تكون المحصلة تنافسا واهيا يهدف إلى إبراز تحركاتك الترفيهية وغير الترفيهية بصورة مزخرفة إلى الآخرين، والنتيجة في نهاية المطاف؛ هي بلوغنا مرحلة اضطراب اجتماعي خلق لنا حتى الآن مجموعة من المشكلات الاجتماعية والنفسية. وعلاوة على حالة الإدمان التي يعيشها بعض البشر في تعاملهم مع هذه البرامج، فهي قادت الكثير إلى الشعور بعدم الرضا، فالكل أصبح يقارن حاله وحياته بغيره، بطريقة غير عادلة، وفي النهاية الجميع غير راض.! والمشكلة الأكبر أنه رغم الانغماس حد الجنون في هذه الظاهرة إلا أن الاستمتاع بها مفقود، فالمنغمسون بها يمارسون تحديا لا ينفك، تحديا لا يبلغ نقطة نجاح أو منتهى. لا أعتقد أن هذه المشكلة بزغت بذات الحدة في كثير من مجتمعات العالم، لكن بعض المجتمعات العربية يتمتع أفرادها بفراغ كبير في منظومة القيم والأهداف السامية، وتستفحل هذه الحالة أكثر لدى اللاهثين وراء «متعة المظاهر» أولئك الذين يسخرون جهدهم ووقتهم في إقامة الحفلات بمناسبة وغير مناسبة لتوثيقها وبثها للناس والأقارب، وهم أنفسهم من يتنقلون عبر المطاعم والمقاهي الجديدة لأخذ سبق التصوير فيها، وهم أيضا الذين يوثقون كل لحظات سفرهم ابتداء من المطار ومقعد الطائرة وانتهاء بكل تفاصيل البلد الذي ذهبوا له.. لا يوجد جانب ضار في هذه الظاهرة إلا عندما طغت النزعة المادية والاستهلاكية، وحب المظاهر، والتقليد في سلوك الناس.. في تشخيص عوامل اضطراباتنا الاجتماعية، يجب أن نكف عن لوم المناهج الدراسية وتأثير وسائل الإعلام على عقول الناس، فهي نظرية قديمة تم استهلاكها كثيرا لإدانة العديد من أخطاء التربية، علينا الاعتراف صراحة بأن هناك تيارا من التغيرات الاجتماعية تسببت به التقنية الحديثة وعجزت الأسر عن التصدي لها لأنها تفوق قدرتها.. علينا التعامل مع مشكلاتنا الاجتماعية بكل صدق مع أنفسنا، فالآن نحن نعيش حالة من «الاغتراب الاجتماعي» فلسنا متقبلين حياتنا الجديدة التي فرضتها علينا التغيرات والظروف الراهنة ولا نحن قادرون على رفضها، كما أن فئة عريضة لا تحترم الحالة الفكرية السائدة في ماضي ما قبل الثورة الاتصالية الحالية ولا تريد العودة بأجيالها إلى أسس التربية القديمة -رغم كثرة المتباكين على أطلالها- ولها أسبابها الوجيهة، إحداها عذر «الكبت الاجتماعي» الذي أنتج الثورة النفسية على كل قديم يقمع الحرية الشخصية، وهو السبب ذاته الذي ولد حالة التمرد الاجتماعي الذي نعيش به، فعلاوة على أننا نحب ونكره ونتجادل ونتقابل ونفترق بواسطة التقنية فإننا أيضا نمارس الحدية في «الفشخرة الاجتماعية» والتطرف والتضليل والإشاعات والبلبلة السياسية والاقتصادية والثقافية بواسطة التقنية، ولكن بطريقة خاصة جدا وبنكهة محلية فريدة تختلف عن كثير من العوالم والبشر!! هل نزعات البشر قابلة للتحديات السلبية أم الإيجابية؟ هل البشر متطرفون في الحب أم الكره؟ هل التطرف في الاتجاهات سمة عربية أم غربية؟.. أسئلة جدلية تحتاج إجابات مدعمة بالبراهين الموضوعية.