أوباما.. والعودة المتأخرة إلى ما حذر منه الفيصل
حينما احتلت الولايات المتحدة العراق عام 2003م، وبدأ بول برايمر الحاكم العسكري للعراق آنذاك الحديث عن تفكيك الجيش العراقي، أطلق فقيد الدبلوماسية العالمية الأمير سعود الفيصل رحمه الله تصريحا حذر فيه من خطورة تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، لأن هذا الإجراء لا يستهدف إسقاط النظام، وإنما هو بمثابة اسقاط للدولة برمتها، وتسليمها على طبق من ذهب لإيران، عند ذاك لم تحفل الأوساط السياسية الأمريكية بتحذير سمو الأمير، وعدته بعض القراءات الإعلامية الغربية مبالغة لا تستند على أي رصيد من الواقع، واليوم وبعد مضي أكثر من عشر سنوات على هذه الواقعة، وفي سياق سعي الرئيس أوباما لإقناع الكونغرس بالتوقيع والمصادقة على الاتفاق النووي مع إيران، على اعتبار أنه أيسر الحلول المتاحة لكبح جماح إيران، اليوم فقط يعترف الرئيس أوباما بخطأ الولايات المتحدة الاستراتيجي في عام 2003م، والذي مكن إيران من اختراق العراق، وإحكام سيطرتها عليه، وتحويله إلى ورقة مساومة في برنامجها النووي، مما أدى إلى انتزاع كل الأوراق من يد الغرب، وإجبارهم بالنتيجة على الإذعان لمبدأ التفاوض مع إيران، على اعتبار أن ما يحدث اليوم إنما هو محصلة لسياق الأحداث التي سمحت لنظام طهران مد نفوذها إلى العراق، واللعب بمصيره من خلال أعوانها ومحازبيها الذين دفعت بهم إلى السلطة. ومشكلة غياب الرؤية فيما يتصل بإدارة شؤون وأحداث المنطقة أن الغرب أحيانا كثيرا ما يعتدّ بقراءاته التي تنطلق من ثقافة مختلفة، ووعي مختلف لا يعطي الأمور حجمها الطبيعي، ولذلك لو تم التعامل مع تحذير وزير الخارجية السعودي في ذلك الوقت بما يستحق من التأمل والتدبر لما آلت الأمور في المنطقة إلى ما آلت إليه الآن من الفوضى والاصطفافات، وتنامي أدوار الميليشيات في المنطقة على حساب الجيوش، والاقتتال على الهوية وعلى المذهب، ولما أصبح الساسة الغربيون يبحثون عن أي خشبة خلاص من هذا المـأزق، ولو من خلال بعض القراءات التي ربما تنحاز إلى طرف ما على حساب سواه، كما يبدو الآن عبر الاهتمام بقراءة المستشار الأمريكي من أصول إيرانية (فالي ناصر)، والتي يبدو أنها هي الورقة الأكثر حضورا على سطح الطاولة التي تُدار من خلالها الأحداث، مما يرشح الأحداث لمزيد من التفاقم والدخول في المزيد من المتاهات والتعقيدات، لأن البناء على رؤية واحدة في صراع بين قطبين كل قطب له ثقافته وتوجهاته، وله توجساته، وإسقاط أو التعامي عن رؤية الطرف الآخر، أو التقليل من شأنه، لن يفضي إلا إلى الكثير من التأزيم، وتعقيد الملفات، وربما العبث بديموغرافية الأرض، تحت وهم القدرة على إعادة تشكيل ولاءاتها من جديد، وهو ما لا يمكن أن يحدث، حتى وإن مر لبعض الوقت، لأن الاختلافات الأيديلوجية لا بد وأن تظهر ذات يوم لتسترد ما ترى أنه حق لها، وهذا ما لم يعه الغرب فيما يبدو حتى الآن في مقارباته لحلول اشكاليات المنطقة التي كانت تصرفاته وتغافله عن آراء خبراء المنطقة كما حدث مع تحذير سمو الأمير أحد أهم أسبابها.