د. محمد حامد الغامدي

مبدأ التغيير المستدام للإنسان في الإسلام «3-3»

■■ الحديث مستمر عن الرأي الذي طرحته. أن الإسلام دعوة تغيير مستدامة للإنسان. واستكمالا للمقالين السابقين، لننظر إلى وظيفة الأديان السماوية. كل ديانة لها كتاب لا تخرج عن رؤية التحديث التي يتناولها الحديث. فاليهودية رسالة سماوية، كانت بمثابة النسخة الأولى. ثم كانت المسيحية بمثابة النسخة المطورة الثانية. وكانت أكثر شمولا وانتشارا. ثم كان الإسلام النسخة الأكثر تحديثا وشمولا من سابقاتها. كانت الديانة السماوية النهائية. ▪▪شمل الإسلام أمور الدنيا والدين. احتوى جميع الديانات السابقة. أرسى أساس استدامة التغيير لصالح البشرية. كنتيجة كان الإسلام لجميع النّاس والى نهاية الزمان. لا عنصرية ولا مزايدات. كنتيجة كان يجب أن يكون المسلم النموذج الأفضل للبشرية قاطبة. الأفضل قولا وفعلا. الأفضل سلوكا وتطلعات. الأفضل في كل مجال. فهل أوضاعنا كمسلمين تحقق ذلك؟!.■■ في الديانات السابقة للإسلام كان يوجد مفهوم رجال الدين. جاء الإسلام ليقضي على هذا المفهوم ويلغيه. جعل الفرد محور الدين والتدين. العلاقة مباشرة بين الفرد وربة. والأعمال أمام الله بالنيّات. لكن جاء من المسلمين، بقصد أو بدون قصد، من أعاد مفهوم رجال الدين في الأديان السماوية السابقة إلى الإسلام وبمفهوم جديد أيضا. احتكار الدين ساد وتوغل كمفهوم وعقيدة. كنتيجة أصبح للإسلام أوصياء وأيضا رجال دين. ■■ نخب تدعي احتكارها لتفسير الإسلام وتحليل نصوصه وتوجيهها وفق رؤيتها وقراءتها الخاصة. بلغ بالبعض اعتقاد أنهم أهل الرسالة الإسلامية وورثتها. انظروا إلى كميات فتوى اجازة القتل في ثورات الربيع العربي دون محاكمات. هكذا ترون اليوم فوضى التفسير والاجتهاد. حتى وصلوا بالمسلمين إلى مرحلة الخروج عن المألوف. ومع مرور السنين تعلق عامة المسلمين برجال الدين حتى وهم ميتون. كل ذلك كان سببا جوهريا في تثبيط دور الإسلام. ■■ أصبح الإسلام مذاهب وشيعا وطوائف تعمل ضد بعضها البعض. ولكم تخيّل النتائج في حال تحولها إلى دول يقودها أوصياء الإسلام ورجال دين يحركهم قناعة وظرف السلف. النموذج الايراني خير مثال. المسلمون اليوم في قبضة الجمود والفرقة والتناحر والتنافس على القتل من أجل رفع راية المذهب والطائفة. يحكم الأمة أموات بحجج اتّباع السلف الصالح. قد يكون صالحا في زمانه ولكن ليس في كل الأزمنة. حتى لفظ كلمة (صالح) أطلقة الخلف، تلامذة السلف.■■ بفعل التفسير والتأويل المرتبط بأوضاع الماضي. جاء قوم يشرحون التفسير للمزيد من التفسير. يشرحون التأويل للمزيد من التأويل. وجهوا منهج حركة التّأمل، والتفكّر، والتديّر إلى النصوص، وإلى المُختلف عليه بينهم. تجاهلوا دعوة الحركة والتحديث في التبصّر في الحياة وطبيعة تفاعلاتها وتوازناتها بكل كائناتها ومكوناتها. كنتيجة كثر الجدل. قشور سيطرت وانتشرت بين المسلمين. كل جيل يفرّخ اجتهادات جديدة إلى أن وصلنا كمسلمين إلى هذه الأوضاع المخجلة قولا وفعلا. ■■ (اقرأ) الكلمة التي تقود إلى المعرفة وتطورها. لماذا القراءة؟! ما هي القراءة؟! التّفكر قراءة. التّدبر قراءة. التّأمل قراءة. هذا هو مبدأ التغيير المستدام. حدد الإسلام مسارات الخير والشر التي تحافظ على وهج التغيير المستدام عند المسلمين. أن يكون لصالح البشرية والبيئة. يبنون ولا يهدمون. وبالعلم وحده تتجدد الحياة.■■ هدف التغيير جعل المسلم في حالة حراك وعصف ذهني مستدام، عن طريق تفعيل الحواس والطاقات والقدرات التي يملك. هذا يقود إلى تحقيق الغايات النهائية. وقبلها هناك صفائح من الأهداف التي يجب تحقيقها. حتى تحصل على الشهادة الثانوية لا بد من اجتياز السنة الأولى كهدف والسنة الثانية كهدف آخر. حتى الحصول على الشهادة الثانوية كغاية نهائية. التعريف العملي للهدف يعني الغايات التي توجه اليها كامل جهودنا. الحياة الأفضل لا تتحقق إلا بالتغيير. هذا يتطلب بذل الجهد وتسخير الإمكانيات لتحقيقه كهدف. ■■ الإنسان مخلوق بوضع شبيه لفكرة عمل الحاسبات الآلية التي بين أيدينا. فتغيير نسخها يعني استيعابها لكل جديد، ولتحقيق الأداء الأفضل، ولتعزيز دورها في تسهيل الحياة. الإنسان بأبحاثه وتطلعاته يحقق الأفضل. الإنسان الذي تأمّل وتفكّر ودبّر. ولكن ماذا يمكن أن نغير في الإنسان؟! كيف يصبح نسخة حديثة ومطورة؟! ماذا يمكن أن نطور في الإنسان؟! لتحقيق الإجابة لا بد لنا من البحث عن الطاقات والقدرات التي استودعها الله في الإنسان. هي مفتاح التغيير والفروق بين الأفراد والأمم. غابت طاقات وقدرات الفرد المسلم بفعل فاعل. أرجو أن يكون لكاتبكم مقالات أخرى حول الموضوع مستقبلا بعون الله.