كلمة اليوم

الغرب والهرولة باتجاه طهران

بالتأكيد نحن نتفهم آليات العمل الاقتصادي والتجاري التي تعتمد على المبادرة والسرعة في استثمار الوقت والظروف، غير أن هرولة رجال السياسة والاقتصاد الغربيين إلى طهران، حتى قبل أن يجف حبر توقيع اتفاق النووي، وهذا الحجيج الصاخب باتجاه العاصمة الايرانية لابرام الصفقات التجارية، قبل التثبت من مصداقية الإيرانيين وجديتهم في تنفيذ كافة بنود الاتفاق، وعدم الالتفاف عليها للمضي في عمليات التخصيب، يثير الشكوك حول ما إذا كانت هناك ملاحق إضافية غير معلنة لتلك الاتفاقية، تجعل من هذا التوقيع أشبه ما يكون بعقد شراكة بين الطرفين تم تحت غطاء مواجهة النووي أو تأجيله لعدد من السنوات، وبناء تحالفات جديدة، تجعل من إيران شرطي الغرب في المنطقة، كما هو الحال أيام نظام الشاه.غير أن من يراهن على نجاح هذا التوجه بانتظار إعادة إنتاج التاريخ مجددا في منطقة عاصفة، تسابقت فيها حكومة طهران مع ميليشياتها في المنطقة على زرع كل بذور الطائفية فيها، وضرب كل عناصر الاستقرار والتعايش بين مكوناتها العرقية والاثنية والدينية والثقافية. قد لا يدرك استحالة استثمار هذا البازار الإيراني الذي أسال لعاب الغرب، بعد أن ساهمت سياسات إيران في وضع كافة أرجاء المنطقة على صفيح ساخن، وأسرفت في اللعب بالورقة الطائفية، وحولت المنطقة إلى برميل بارود قابل للاشتعال في كل لحظة، وهو ما يفترض أن يعيه الغرب تماما، وهو يرسل وفوده من رؤساء الشركات العابرة للقارات إلى طهران للفوز بالحصة الأكبر من الكعكة الإيرانية، متجاهلا الحال الذي آلت إليه المنطقة بسبب إيران ومشاغباتها، ومساعيها المعلنة للتوسع وفرض سيادتها على مختلف أقطار الإقليم. ومن هنا يتضح أننا أمام معادلة جديدة قد لا تتضح كل معالمها من خلال إبرام اتفاق النووي، الذي لا يشكل ما هو أكثر من جزء من جبل الجليد الذي يطفو على سطح الماء، فيما يبقى الجزء الأكبر والأخطر في الأجزاء العائمة تحت مياه الاتفاقية النووية، وهو ما يؤكده هذا التقاطر المتلاحق للساسة ورجال الاقتصاد الغربيين الذين بدأوا التوافد على طهران، في سباق محموم على إبرام الصفقات والعقود، وكأن كل ما جاء في الاتفاقية تم تنفيذ بنوده، أو كأنه اجتاز كل مراحل اختبار النوايا، رغم أنه لم يمض على توقيعه سوى بضعة أيام.ورغم أننا ندرك أيضا أن من حق الغرب أن يفتش عن مصالحه، إلا أنه ليس من حقه أن يكافىء من أشعل المنطقة، وجرّها إلى كل هذه الدمارات بهذه الهرولة وهذا الشغف الذي يجعل إيران تعوض كل ما خسرته في اتفاق النووي بما يوفره لها من العقود التجارية والصفقات، وكأنه يثمن لها كل تلك الأيادي التي امتدت لتشعل الحرائق في أرجاء المنطقة، وهو ما سينعكس حتما على مصالحه حينما تصل تلك النيران إلى عباءات الملالي الذين أشعلوها، وهو أمر وارد بالتأكيد لأن الفوضى لن تقود إلا لمزيد من الفوضى. ولأن الحروب لا تلد إلا الحروب، وهذا ما أنجزته إيران منذ قيام ثورتها الخمينية في مطلع الثمانينات، وعندئذ ربما يتنبه الغرب إلى أنه اقتفى بهذه الهرولة أثر فراشات النار التي يخطف لهبها الضوء فتتطاير حوله إلى أن تحترق بلهيبه.