تصريحات خامئني والقلق الأمريكي
ستظل إيران كما هي، لن تستطيع تغيير سياساتها الخارجية، من الصعب عليها الانتقال الى الحالة الطبيعية، وقد عاشت ردحا من الدهر تستثمر في الارهاب، وتتقاطع مع المجتمع الدولي، وتعيش في حالة قلق وتوتر وانعدام ثقة مع دول الجوار، والأكثر من ذلك أننا نعلم علم اليقين بأن القيادة الايرانية تنظر بروح فارسية للاقليم، وبروح الانتقام، وتستثمر كافة الادوات والاوراق لهذه الغاية، وعلى الرغم من المسحة الدينية، والحديث عن دعم المقاومة، فقد كان لطهران خطابان، أحدهما علني ينطوي على البطولة والتهييج والتعبئة الطائفية والصراع ودول المنطقة، وخطاب سري تلتقي فيه مع الشيطان الاكبر والاصغر ومع التنظيمات الارهابيةهذه الازدواجية، يضاف اليها الخوف من الداخل، الخوف من السقوط بسبب التعبئة الدائمة التي عاشها المواطن الايراني طيلة 36 عاما، هذه التعبئة التي جعلت المجتمع الايراني مجتمعا عسكريا تديره ميليشيا دينية، توظف الدين لخدمة مصالحها واهدافها، وقد وصلت الامور الى الذروة، وجاء توقيع الاتفاق النووي، طريقا للخلاص، وممرا شائكا بديلا عن السقوط، الذي كانت تتوقعه الاستخبارات الامريكية، فقد أكدت التقارير ان الحصار الاقتصادي يفيد بأن ايران على ابواب ثورة شاملة.توقيع الاتفاق الذي هلل له الايرانيون وخرجوا من أجله الى شوارع طهران، ليس للتعبير عن الانتصار السياسي، وليس تعبيرا عن اجلال لقدرات الطاقم التفاوضي، فاللعبة الايرانية الامريكية لم تنطل على رموز الشارع الايراني، وهم مدركون اليوم أكثر من غد، بأن حجم العلاقة السرية بين الطرفين تتوازى وحجم الانفعال والصخب المتداول، وأنه وإن تضاعفت مستويات الشد بين طهران وواشنطن، كانت خطوط التواصل والتفاعل حيوية أكثر من السابق.ان الشارع الايراني خرج فقط لانه يدرك أن القيادة الايرانية كانت تستغل هذه المفاوضات في ادارة الشارع الايراني، في قمع الحريات، على اعتبار ان لا صوت يعلو على صوت المقاومة، وصوت المفاوضات التي وصفتها بالوطنية عن مشروع جعلته يمثل قدرا لكل الايرانيين، وعليه فان التوقيع على الاتفاق يسحب البساط من تحت اقدام القيادة الايرانية، لدفعها للانتباه للداخل وللتنمية بدلا عن ادامة التوتر ودول العالم، غير ان النظام يدرك ادراكا تاما أن غياب العدو، يعني السقوط، ولهذا كانت دعوة علي خامئني للشباب الايراني بالجهوزية وعدم الاطمئنان الى امريكا لتذر الرماد في العيون، ولتؤكد أن النظام الايراني يصعب عليه التغيير، وانه سيمضي في نفس سياساته السابقة دون تغيير.امريكا التي تنازلت وذهبت طوعا الى الايرانيين، أمريكا التي تعاملت بازدواجية مفرطة مع نظام صدام حسين بحجة امتلاكه اسلحة الدمار الشامل واتصالاته والقاعدة، ترى ووفقا لتقارير الاستخبارات الامريكية أن ايران تؤوي قيادات في تنظيم القاعدة، وتدعم تنظيم داعش وترعى الارهاب في اليمن وسوريا والعراق، وتدعم الصراعات الطائفية في المنطقة والاجتثات للسنة في العراق وسوريا، وهي التي عملت بكامل جهودها للحصول على اسلحة الدمار الشامل واستطاعت بناء قدرة نووية تؤهلها لذلك، غير ان السلوك الامريكي معها كان مختلفا تماما.ان التعبير عن القلق الامريكي من هذه التصريحات ليس هو الحل، وان على السياسة الخليجية ان تبدأ بالتعامل مع هذه التصريحات بعد الاتفاق النووي بمستوى عال من الجدية والاستعداد، وان الحليف الامريكي ليس لديه أكثر من التطمينات مستقبلا، وان على دول الخليج ان تبادر فعلا وعملا لتبني استراتيجية حقيقية لبناء القدرات العسكرية والدفاعية والهجومية، فالمرحلة القادمة صعبة وايران لا تملك القدرة على ان تكون طبيعية مهما حاولت تجميل سياساتها.