لمسات إجرائية واقعية خفيفة
قطاع النقل من القطاعات التنموية ذات الأثر الفاعل في خدمة البنية التحتية وتطوير الأنشطة الاقتصادية، وهو على نسق القطاع العقاري يتداخل مع عدة قطاعات أخرى، بما يجعل التنمية عملية مركبة ومتكاملة، ولذلك فإن أي خلل يصيبه يعني تأثر بقية القطاعات والعملية التنموية بأكملها، ما يستدعي عمليات مراجعة مستمرة أشبه بالصيانة الدورية تماما كما تتم صيانة الشاحنات والناقلات؛ حرصا على سلامتها واستمرار أدائها سلسا وفاعلا.وعطفا على ذلك، استشعرت قلقا حقيقيا حين اطلعت مؤخرا على تصريحات لرئيس اللجنة الوطنية للنقل البري بمجلس الغرف السعودية بندر الجابري في هذه الصحيفة، وفيها يشير إلى خروج 3% من المستثمرين في القطاع منذ مطلع العام الحالي 2015، مرجعا ذلك إلى شح العمالة التي يعتمد عليها القطاع بشكل كبير، وذلك يضعنا أمام تحد حقيقي لم تتم معالجته والتعامل معه بما يستحق حتى لا نسمح بتوقف عجلة القطاع.لنبدأ القلق من جملة افتراضات حول حقيقة التصريحات وأولها: ارتفاع تكلفة النقل في تناسب عكسي مع أي قصور في أداء القطاع، لأنه سينتج ضغطا على النسبة الباقية في الخدمة وهي بدورها ستضطر الى رفع أسعار خدماتها للإيفاء بالحاجة الاستهلاكية للشاحنات والناقلات، وبالتالي فإن الزيادة سيتم وضعها في أسعار المواد التي يتم شحنها أيّا كانت، وذلك يتجه بنا الى ضغط سعري على المستهلك حتى ولو كان المنقول «قلم رصاص»، وواقعيا ذلك مبرر مبدئيا ولكن غير مبرر إستراتيجيا، إذ كان ينبغي التعامل مع مشكلات النقل بما لا يسمح بظهور مثل هذه المشكلات.اقتصادنا الوطني أحد أكبر وأفضل الاقتصاديات العالمية نموا وأداء، وحين لا نتعامل بصورة منهجية مع أي معوقات محتملة ومتوقعة، فإننا في الواقع نتسبب في اضرار غير منظورة تتحول الى أخرى ملموسة، تنعكس نتائجها على واقعنا الاقتصادي والاستهلاكي، فالمشكلة التي ذكرها الجابري تكشف عن عدم تنسيق وتعاون مع وزارة العمل، سواء بتوفير كادر وطني لخدمات النقل وتأهيلهم عبر صندوق تنمية الموارد البشرية، أو تيسير استقدام عمالة تحافظ على استمرارية القطاع وتوسعته ونموه.عجلة النقل لا يمكن أن تستمر إذا توقف دعم المستثمرين، وهي معاناة سبق أن عانى منها قطاع المقاولات، وحسب علمي لا تزال مستمرة، فالاقتصاد الوطني منفتح على النمو، وله امتداده الدولي الذي لا يعترف بمبررات تتعلق بضعف السعودة، وإنما يعترف بالإيفاء بمتطلبات واحتياجات قياسية ومعيارية تجعله مؤهلا للتفاعل مع الحركة الدولية، فإذا لم يوجد سعوديون بحسب النسب التي تضعها وزارة العمل هل نشهد خروج مزيد من المستثمرين؟ مسؤولية الوزارة لا تتوقف عند تحديد النسب وتعطيل الأعمال، وإنما عليها توجيه الباحثين عن عمل الى المساحات الشاغرة، ولو بصورة مؤقتة، لأن الفكرة هي أن يعمل أبناء الوطن في سد كل ثغرة حتى لا يضعف الاقتصاد الوطني.ينبغي أن تتعامل وزارة العمل بمرونة أكبر مع احتياجات القطاعات الاقتصادية، ويمكنها أن تضع مدى زمنيا لشغل الوظائف والأعمال بسعوديين، وإذا لم يتوفروا من طرف صاحب العمل أو من خلال المتقدمين إليها، يصبح من حق صاحب العمل الاستقدام أو نقل كفالة وافدين؛ حتى نحافظ على استمرارية الأنشطة الاقتصادية وعدم تعطيلها، فيما يمكن حل المشكلات بلمسات إجرائية واقعية خفيفة.* مدير مراكز "اسكب" للاستشارات الأمنية والعلاقات العامة