استعمارنا منا وفينا
عرف الإنسان أنواعاً مخيفة من التعذيب منذ أن بدأت أطماعه تستحوذ عليه، وتتملكه رغبته الجامحة في ارضاخ الآخرين، فصار يمارس ضدهم أقسى أنواع التعذيب، التي قد لا تخطر على بال، ولكنه ظل يمارسها ويطورها ويبتكر أشكالاً مختلفة. يقول المفكّر اليوناني "تيروكورال" وقد عاش في القرن الأول قبل الميلاد: (إن معاقبة المجرمين بالموت المباشر أشبه بأكل الثمار وهي لم تنضج بعد، فكما يجب ترك الثمار حتّى تنضج يجب كذلك ترك المجرمين يتلوون ويئنّون تحت العذاب الشديد قبل أن يموتوا). وقد عانى الإنسان العربي أقسى أنواع التعذيب من العربي نفسه، حين انقسم العرب على أنفسهم بعد نزول الوحي على محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن أكثر الصور التي تتبادر إلى الذهن صورة الصخرة التي وضعت على صدر بلال بن رباح، وهو يئن تحتها أحد أحد؛ ليؤكد لمعذبيه أنه باق على الدين الجديد، فقد جاءهم محمد بما لم يعهدوه وشكل لهم صدمة قوية وكانت الصخرة ورمي القاذورات في الطريق أكثر ما وصلوا إليه في طرق التعذيب، ومنذ ذلك الحين بدأ المسلمون يمارسون في حق بعضهم بعضا التعذيب بأشكال مختلفة؛ رغم أن ذلك يخالف تعاليم الدين الذي لم شعثهم، وبخاصة حين صار الدين هو الحجة التي تقوم عليها الفتن والاضطرابات كثورة الزنج التي تحتفظ كتب التاريخ بمشاهد مقززة عما كان يحدث فيها. وكذلك هو الحال مع ثورات كثيرة قامت على أساس ديني وما هي كذلك، كما أن كثيرا ممن حملوا لواءها كانوا من الذين ابتدعوا بدعاً جديدة، وألفوا ديناً خاصاً بهم ليس فيه من الإسلام سوى اسمه! واستمر الحال في الدول العربية والإسلامية ما بين استقرار وقلاقل لم تخل من التعذيب لسبب أو آخر، حتى جاءت الدولة العثمانية التي روجت لأشكال مروعة من التعذيب، كان من أشهرها (الخازوق) الذي تطبق به عقوبة الإعدام ببطء شديد ابتكره العثمانيون، وهو عبارة عن رمح يُثبت على الأرض ويجلس الضحية فوقه بعد أن يتم إدخال الخازوق من فتحة الشرج، وبعد أن تربط أيديه وأرجله فلا يستطيع الحركة، ويُترك على هذه الحال معلّقاً لينزلق ببطء شديد فتتمزق أحشاؤه وهو يصرخ من الألم حتى الموت بهذه الطريقة، وقد تطول هذه العملية لمدة قد تستغرق أسبوعاً من الزمن. وقد مارسها العثمانيون كثيراً في بلاد الشام القديم، قبل أن يأتي الاستعمار الإنجليزي والفرنسي هناك ليمارس أشكالاً أخرى من التعذيب، وقبل أن تحتل فلسطين من اليهود، وهي التي كانت وما زالت تمارس أقسى أنواع التعذيب المختلفة. وحين انتهى الاستعمار في العالم العربي، ورحل الغرباء عن الأوطان ظننا بأن السلام سيعم الأرجاء العربية والمسلمة. ولم لا؟! فقد طال بهم العذاب والتعذيب وهم جميعاً يستظلون بدين الرحمة والمحبة الذي تنزل على محمد (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). ولكن ما أقبح الإنسان حين يتنكر لطبيعته ودينه ويأخذه الغرور الآثم ويتعالى، فيظن أن من حقه أن يملك الأرض ومن عليها فيتجبر ويطغى ويعود ليمارس ضد بني جلدته ما كان لا يمارسه إلا الأعداء الطامعون. وزال الطغاة وبعض آخر إلى زوال، ولكن الشر لم يزل، وكأن حال المجتمعات العربية يتمثل في قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:عَجَبا لِلَّزمانِ في حَالَتَيْهِ وبلاء ذهبت منه إليهرُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتُ مِنْهُ فلمّا صرت في غيره بكيت عليهوكأن الاستعمار الأجنبي بكل مآسيه قد زال ليحل محله استعمار يدمينا أكثر، ويجرجرنا على أشواك المصائب العربية واحدة تلو أخرى بأيدينا نحن لنقتل بعضنا ونحرق بعضنا ونحز رقاب بعضنا في أبشع صور الجرأة المجنونة، ونرتكب في حق الدين والإنسان العربي والمسلم ما لم يفعله فيهم شياطين الاستعمار، لأن شياطين العرب والمسلمين أشد قبحا وأشد غباء. فبأي كلم سيكتب التاريخ العربي الحاضر، وبأي قول سنقارن بين ما فعله فينا الاستعمار وما فعلناه في أنفسنا؟! عضو هيئة التدريس بجامعة الدمام