عالمنا الافتراضي بين الحب والقتل
هل نتصور حياتنا بدون هواتفنا الذكية التي لا تفارقها أيدينا إلا في لحظات معدودات في يومنا الحافل بكل تفاصيله. لسنا شاذين عن كل مجتمعات العالم في علاقتنا مع العالم الافتراضي الذي تأخذنا إليه أجهزتنا المحمولة؛ لكن ما يميز مجتمعنا السعودي في هذه العلاقة أنه أكثر قربا من هذا العالم الاصطناعي، فالإحصاءات تشير إلى أننا نتصدر مراتب متقدمة على مستوى العالم في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وبعيدا عن دلالات الإحصاءات فنحن نتلمس هذه الحقيقة في يومياتنا وفي علاقتنا مع الآخرين من خلالها.. فنحن نحب، ونكره، ونتخاصم، وندخل في علاقات جديدة في هذا العالم من خلال هواتفنا وبرامج التواصل الاجتماعي بها.. ولا أعتقد أن قوة العلاقة بين عالمنا الحقيقي والافتراضي والذي يكاد الأخير أن يطغى عليه أن تكون مستغربة خاصة إذا ما تفهمنا الوضع الاجتماعي وطبيعة قنوات ومجالات الترفيه في المجتمع السعودي.. كثيرون هم من تحدثوا عن سلبيات هذه العلاقة منهم التربويون والمتخصصون في علم النفس والاجتماع، ومع هذا لا أعتقد أن نظرياتهم ومحاذيرهم سيلتفت لها لأن حقيقة ما نشهده في هذه الثورة الاتصالية هو بمثابة نعمة بشرية لا نستطيع التنبه لمساوئها ونحن نتنعم بها، الجميع يدرك هذا خاصة المجتمعات المنغلقة التي تمكنها هذه الوسيلة من التعرف على معالم وحضارات وشخصيات مختلفة من جميع أرجاء العالم، علاوة على أنها وسيلة مكنت الأفراد من البقاء متصلين مع أهلهم وأصدقائهم وأحبابهم حتى وإن باعدت بينهم المسافات. بشكل عام لا ضير في هذه الوسيلة بشكل مخيف فعليا وخطر يهدد المجتمع بصورة مرعبة -يجب الالتفات له سريعا- سوى ظاهرة الاختراق الفكري الذي يتلبس بعض المراهقين فيدفعهم لاعتناق أفكار شاذة تدفعهم لأن يكونوا أدوات لتنفيذ أهداف سياسية عبر عمليات إرهابية انتحارية. المشكلة الفعلية أنه حتى الآن لم يتم تحديد وإعلان الطريقة التي تنتهجها التنظيمات الإرهابية في استدراج المراهقين لهذه الفخاخ، فما زال الكلام النظري المشاع يدور حول أنهم يمارسون الإقناع عبر مداخل دينية تستدعي عاطفتهم، لكن بالتأكيد الأمر أعقد من ذلك ونحتاج أن نفهم الآلية التي يمارسونها وطرق اقناعهم ووسائل استقطابهم حتى يتم إشاعة تعليمات تربوية تثقيفية للأسر، كما نفعل عند توعيتهم بالتحرش الجنسي وأبسط دلالاته سواء ما يتم بالكلمات أو الإيماءات أو الحركات الجسدية. فلا يجب اختزال مسببات الأزمة في قضية الخطاب الديني والعنصرية وعدم احتواء أو تقبل الآخر المختلف، فرغم أزمة الخطاب الوعظي والطائفي الذي مر بنا إلا أنه لا يوجد رموز دينية معروفة أباحت الدماء وقتل الآمنين، كما أن الرموز الدينية المعروفة ليست من يسير عقول المراهقين لهكذا عمليات إرهابية، إنما المغرر بهم لهم كبارهم (الماكرون) الدينيون الذين يفتون لهم. يجب أن نعترف أولا أننا أمام أزمة سياسية في المقام الأول وأن الدور الأمني يعتمد على فطنة الأسرة ودورها في التصدي لهذه الممارسات بالتوعية والمراقبة، كذلك التأكيد على جهود المواطنين في التبليغ عن كل ما يثير الشبهة الأمنية في هذا النطاق، فمهما بلغت جهود الدولة في التصدي لهذه العمليات الإرهابية فسيبقى خطرها قائما ومن الصعب تفاديها إن لم تتضافر جميع المسؤوليات والجهود.