سالم اليامي

القديح والحرب الخفية

المشهد الأمني العام في منطقتنا، ولدينا في المملكة وعلى إثر الدماء التي سالت في قرية القديح السعودية لا يخرج في تقدير أغلب المراقبين عن مسارين الأول: خارجي إقليمي، والثاني: داخلي محلي، وكل مسار له تفرعاته واشتقاقاته، وتفصيلاً في المسار الإقليمي الخارجي لا يخفى على أحد اليوم أن المملكة العربية السعودية تقود الأمة والمنطقة في حرب ضد عوامل التخريب والتفتيت لدول الجوار انطلاقا مما حدث في اليمن الشقيق خلال الفترات الماضية وليس انتهاءً بالدول العربية سعيا وراء تخريب النظام السياسي العربي العام وتفتيت بنيته وتغييب عوامل بقائه. فَهم هذا المعطى يترتب عليه الإدراك الجاد والواعي بضرورة تماسك القيادة الإقليمية ومنع كل عوامل التأثير السلبي عليها، ولأي أسباب كانت. ومع انه لم تمض مدة طويلة على بروز هذا الدور الريادي السعودي عربياً وإقليميا ودوليا وتبلوره بصورة غير مسبوقة إسلامياً، كل ذلك نقل حالة تقليدية معروفة للمراقبين تأتي ضمن حركة العلاقات الدولية السعودية الإيرانية كمعطى إقليمي تقليدي، انتقل من حالة تعرف في العلاقات الدولية بالتنافس إلى حالة أعلى درجة وأكثر حدة واحتكاك يمكن أن نطلق عليها حالة الصراع. وفي الأسابيع الأخيرة بدأت هذه الحالة تتحول بشكل لا تخطئه أدوات المراقبة إلى حالة أقرب ما تكون بإعلان الحرب أو الحروب الإعلامية والسياسية والاستخبارية والتخريبية وحروب القرصنة الالكترونية وتهريب الأسلحة والمخدرات إلى المملكة العربية السعودية. ولن أفصل في هذه الجزئية ويكفي أن أُذكر القارئ الكريم بتصريح لمسئول إيراني يفترض انه رفيع، حسب ترتيب موقعه في السلطة هناك. حيث يقول ضمن حديث صراعي عدواني طويل: سنهاجم المملكة العربية السعودية! هذه العبارات تسجل في علم العلاقات الدولية على أنها عدوان ونوايا غير حسنة يبيتها طرف دولي ضد طرف آخر، ما يعني ببساطة انتفاء معاني حسن الجوار، وحسن العلاقات والطبيعية فيها. وسبب ذلك - كما يبدو للوهلة الأولى - هو المظهر الجديد للقيادة السعودية الحازمة في دفاعها عن نفسها وعن الحقوق العربية والوجود العربي، الأمر الذي يعني في المقابل خسائر إيرانية سياسية واقتصادية وتوسعية بنتها العقلية التوسعية والمحبة للسيطرة على مدى ثلاثة عقود كاملة. إذا هي الخسارة الحقة، وهي ردة الفعل المذعورة التي يمكن أن تنتج حالة أعمق من الصراع بين الجانبين يعتمد شكلها ومضمونها على جملة من الظروف والمواقف الآنية التي يصعب توقعها الآن. وهناك معطى خارجي وإقليمي وله امتدادات وتأثيرات داخلية في الجانبين الإيراني، والسعودي وكذا في غير بلد عربي على الخصوص وأقصد به حالة الاضطراب العام في عدد من البلاد العربية وغياب الحكومات القادرة على بناء دول قادرة على مواجهة تحديات المجتمع الدولي بشخوصه وأطماعه وانحيازاته. هذه الجزئية أوهمت الطرف الإقليمي الخاسر بإمكانية استعادة شيء من مكاسبه التي تبخرت في وقت قياسي من خلال التأثير على مواقف وخيارات الطرف الأكثر قيادة واستقرار وتماسك في إطار المنظومة العربية وهو المملكة العربية السعودية. عنصر الانفلات والاضطراب العام في عموم المشهد العربي الكامل، له تفرعاته الداخلية التي من المهم تلمسها نظرا لعلاقتها المباشرة بالعوامل الداخلية في بلدي الصراع وفي المنظومة الإقليمية كاملة، وهي في أغلب التقدير أولا. حالة الاحتقان العربية العامة وتقابلها في السنوات الأخيرة بمحركات الشحن الإيديولوجي والعقائدي ونقل الصراع الذي هو هوية المرحلة بإطاره العام إلى ما يمكن تسميته بشعوبية الصراع أو مفهوم حرب الكل بالكل، بمعنى استخدام كل المكونات الثقافية والبشرية والروحية، بصورة ماكرة وتحويلها لأدوات صراع ونفى عنها صفاتها الأولية والحقيقية، وهي معاني التعارف والتعاون والتعايش. والاستمرار في تغذية تلك المعاني الجديدة التي تحولت لأدوات صراع، بوسائل الإعلام والدعاية السياسية والعقائدية والمادية في المقام الأول بهدف أساس هو إيجاد مجموع معاد ومغاير للمحيط العام وربطه بحبل سري تنفذ عبره معاني الولاء الديني والخلاص العقدي والتبعية السياسية العامة. إضافة إلى استقطاب العناصر المتسقة عقديا مع الخصم أي مع المملكة والمختلفة معها في بعض النظرات الفرعية والرؤى وتغذية نقاط الاختلاف وتضخيمها ورعاية أفكار الانتقام والتخريب والدمار لديها، والسعي لتنفيذها على أرض الخصم.أريد أن أختم بتصور عام غُذي عبر عقود، وتحقق له بعض المكاسب هنا، وهناك حتى اعتقد مروجوه انه الحقيقة التي سيفاجئون بها العالم وسيديرون بها المنطقة العربية من وراء حجاب، إلى أن وقفت المملكة تبعا لمتغيرات الزمن، والقيادة والقراءة العامة لمعطيات الوضع العربي، وأوقفت بصورة حازمة كل تلك التداعيات فكانت الفكرة الآثمة والبعيدة عن الأخلاق بتسجيل نقاط جديدة في سباق الصراع في المنطقة عبر قتل السعوديين بأيدي سعوديين مثلهم. واختير المسرح مسجد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في بلدة القديح بعناية. وكذلك الضحايا من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة لتصبح حادثة القديح ما يذهب بالسعوديين ومستقبلهم.* مستشار وباحث في الشأن الدولي