اتحادٌ بين القلم والميكرفون
قبل أسبوع، كنت ضيفا على برنامج د. بدرية البشر في الـ mbc، وبالتحديد في الفقرة المتعلقة بالنكتة: أسبابها وغاياتها. بدأت بدرية تقديمها لهذه الفقرة بالملاحظة التالية: "إذا زعل الرجَّال في أوروبا يكره الحياة ويقرر الانتحار، وعندنا مديون، ومتهاوش مع زوجته، وأهله طاردينه من البيت، وبالدوام خاصمين من راتبه، وصايده ساهر، وقروض، والسيارة ساحبتها الوكالة، وقولون وثعلبة وفقر دم وسكر، والبقالة تطلبه، وجواله مقطوع، وتلقاه متكّي في الاستراحة ويفصفص وأموره طيبة، ويقول لِخَويِّه يَبِي لْنا توَيْس. يعني تيس صغير"! وتنتهي الملاحظة مشيدة بطريقة تهكمية بتلك المعنويات العالية التي لا تقهر! تطرق البرنامج إلى النكتة بشكل عام، لكني سأتناول في هذه العجالة بواعث النكتة ودوافع الضحك انطلاقا من قراءة انطباعية لتلك المقدمة، وبعيدا عن ضرورات "المونتاج" أو بمعنى أدق "تسلّطه". وإذا كانت النكتة سليلة المفارقة، فإن ما يثير الضحك هنا هو التضاد الصارخ بين التحدي الذي يفرضه الواقع المَعيْش واستجابة رجل الاستراحة التي لا تتناسب مع ذلك الواقع، بل تسير باتجاه معاكس يجسد شكلا من أشكال اللا مبالاة، ويدخل في إطار التصلب الذي أشار إليه هنري برغسون في سياق تحليله لدلالة المضحك. إن تصلب الطبع والفكر يعني التشيؤ، أي أن يصبح البشري شيئا أو جمادا. وإن رباطة الجأش التي يبديها رجل الاستراحة لا تعني قدرته على نطاح الخطوب، وإنما تعني أنه غارق في لا مبالاة تصل إلى حد التبلد، وهي حالة لا تتيح لصاحبها أن يتفاعل أو يتحرك، فهو يعيش خارج الزمن، لذلك تبدو "أموره طيبة" كما جاء في النكتة. إن "أموره طيبة" لأنه يشبه حجر تميم بن مقبل الذي يقول: "ما أطيب العيشَ لو أن الفتى حجرٌ تنبو الحوادثُ عنه وهْوَ ملمومُ". النكتة كاريكاتير بالكلمات يضخم القبح ويعرّيه، وهي سمو على المستهجن من الممارسات، وهجاء لما اعوجَّ من الطباع، وما انحرف من التصرفات، وهي شكل من أشكال التأديب لإعادة صاحب السلوك المعوج إلى جادة الصواب. والنكتة شبيهة بقرص الدواء المغلف بطبقة رقيقة من السكر؛ لكي يستطيع المرء استساغتها، وهي مِشنَقَة من حرير، وقيل إنها "سلاح بدون ترخيص". "ولا مضحك إلا في ما هو إنساني" كما يعبر برغسون. وفي تعريف لاذع: "لا تصنع النكتة للضحك على الكائن البشري، بل لتذكره بأنه مضحك"! تناولت موضوع الحلقة تعويضا عما اقتطعه المونتاج، فماذا عن البرنامج بشكل عام؟ لا يحتاج البرنامج إلى تزكية، فهو اتحاد بين القلم والميكرفون. وبالإضافة إلى أسلوب د. بدرية البشر في التقديم والذي يتميز بالدعابة والطرافة والتشويق، فهو برنامج يرصد الواقع، ويشير إلى تناقضاته، ويتميز بالوضوح والشفافية والمكاشفة، ويضع على قائمة أولوياته الارتقاء بالحياة الاجتماعية. يعبر أحد الفلاسفة عن نسبية الجمال فيقول: "لا يوجد شيء في هذا العالم لا يوجد له هاوٍ واحد على الأقل". ويمكننا محاكاة هذه العبارة فنقول: "لا يوجد شيء في هذا العالم لا يوجد له مناوئ واحد على الأقل". ولا غرابة أن تثار حول أي عمل ناجح بعض الزوابع الكلامية. لكن أفضل طريقة لقياس نجاح أو فشل أي عمل هو قراءة دوافع منتقديه. وبناءً على ذلك، قد تشكل الشفافية التي يتميز بها هذا البرنامج مصدر إزعاج لمن يضيق ذرعا بالنقد الذاتي، "ويفضل أن يقضي عليه المديح على أن ينقذه النقد"! كما يعبر نورمان بيل.* متخصص في الإدارة المقارنة