كتاب سعود الفيصل
أقصر الطرق التي يمكن أن يصل بها الكاتب إلى الناس أن يكتب لهم وبصدق عن الأمور التي يحبونها، هذه القاعدة تعلمتها بوضوح إثر كتابة مقالين متتاليين عن شخصية صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل. في المقال الثاني ختمت حديثي إلى الناس بأنَّ هذا الرجل وهذه الشخصية السعودية وعلى الرغم من أنه أكبر من أنْ يحيط بحياته وتجربته وقدراته وتاريخه عدد من الكتب، إلا أن هذه المرحلة التي نعيشها في المملكة والمنطقة وجهت التفكير وبقوة في ضرورة أن يكون هناك كتاب عن هذه القامة ليوثق شيئا من تاريخه وسيرته للناس التي تتعطش لمعرفة أبسط الأمور عن شخصيته. وكنت في الحقيقة قد أشرت إلى وجاهة أن يبادر معالي وزير الدولة للشؤون الخارجية الدكتور نزار عبيد مدني للتصدي لهذه المهمة الجليلة بما يملك من خبرة وقرب واطلاع تراكمت لديه عبر ما يقرب من أربعة عقود عمل فيها بجوار سمو الأمير وبشكل قريب جداً. وعزز تلك الفكرة عندي مقال الدكتور نزار الضافي والمشهور في صحيفة الشرق الأوسط، وما يعيد الحديث من جديد عن سمو الأمير - متعه الله بالصحة والعافية - وضرورة انجاز كتاب يحاول تقريبه من الناس وتقريب محبيه منه تغريدة بعثها أحد الأصدقاء الأعزاء وهو باحث في الشأن الثقافي وأخ وصديق قديم سألني منذ سنوات بعيدة في أحد لقاءاتنا العابرة وبشكل مباشر: متى سنرى كتابا عن سمو الأمير؟ وتابع: الناس متعطشة للاقتراب من هذا الرجل الذي لا يُرى إلا وهو مسافر أو في اجتماع أو يمثل بلاده وأمته في قمة هنا أو في مؤتمر هناك. في الحقيقة لم يكن لدي رد محدد على كل هذه التساؤلات، وقلت للرجل بأمانة شديدة: إنني لا أعرف حتى الجهة التي يمكن أن أنقل لها ما يدور في ذهنه حول الكتاب وأقصد بالجهة الإدارة المسئولة أو التي يمكن أن تكون المختصة ولديها جواب لصاحبي ضمن الإدارات المختلفة في الوزارة التي كان يقودها سمو الأمير.أهم من ذلك أن الأوضاع في تلك الفترة كانت مضطربة أيما اضطراب، حيث كانت موجات ما يسمى الربيع العربي تضرب عدداً من البلاد العربية في هياكلها العامة وفي اقتصادها وبنيتها الأمنية والاجتماعية. وكانت الأزمة في البلاد السورية تتعقد حلقاتها وكان سموه يعمل بأكثر من طاقته لحضور الاجتماعات ومتابعة اللقاءات العربية البينية التي تبحث عن حلول للازمات المتفاقمة في المنطقة. كل ذلك جعلني لا أفكر في بحث موضوع الكتاب أو السؤال عن إمكانية انجازه وبروزه للناس. صديقي صاحب التغريدة والسؤال القديم، كنت أفهم من مداخلاته وأسئلته تلك الفترة انه يعول علىَّ أن أكتب ما أستطيع وأعرضه على أهل الاختصاص في الدائرة التي يمكن أن تعرض كل ذلك على سموه لمعرفة رأيه وموافقته ورضاه قبل كل شيء وما هي الزوايا التي يفضل هو بشكل شخصي أن يطل منها على الناس. كانت الأفكار تأتي وتذهب وما بقي كجذوة نار لم تخمد في لقاءاتي مع صديقي العزيز هو كتاب سعود الفيصل. اليوم وبعد كل هذه التطورات وبعد أن أصبح لسموه هذه الوضعية الجديدة من المؤكد أن هناك أمورا تغيرت وأوضاعا تبدلت، الأمر الذي أظنه لم يتغير يتشكل في مسارين الأول: أن حب الناس واحترامهم وشغفهم للاقتراب من سمو الأمير بات أضعاف ما كان. أما المسار الثاني: فهو القناعة بأن صدور كتاب عن شخصية وتجربة سمو الأمير بات ضرورة ملحة تتلهف الناس في المملكة العربية السعودية وفي العالم لالتهام صفحاته. ويجب أن نتذكر أن هذا الموضوع وانجازه قد تجاوز المجهود الفردي، بمعنى انه لم يعد من المناسب - في تقديري - أن يقوم شخص واحد على عمل سيكون مرجعا للناس في الحياة والتجربة، مهما كانت قدراته ودرايته وحرفيته الكتابية. وإن كان من الضروري وجود ذلك الشخص فليكن ضمن فريق يكتب التجربة بكل أبعادها، وبكل ما يتوافر من وثائق وصور وأحاديث ولقاءات وذكريات لسمو الأمير ولمن عاصروه وشاركوه أجزاء من تلك الوقائع والأحداث، وأن يكون الكتاب في شكله المادي متناغما مع المنجزات الحديثة للفعل التقني المعاصر، إضافة إلى الشكل التقليدي والمألوف للكتاب.وأتمنى إذا قدر لشيء من هذه الأفكار والأمنيات أن يتحقق أن تتولى التنفيذ جهة غير تقليدية، جهة يتحرك وينجز العمل فيها مبدعون لا موظفون، وإلى ذلك الحين يبقى الناس وأنا في أمل وانتظار.* مستشار وباحث في الشأن الدولي