ما لا يَضرّ الناس
صعبٌ أن أطرد مواطنا من مواطنته فقط لأنه اختلف معي في رأي، وأن أرمي به إلى أتون الارتهان للأجنبي وتنفيذ أجندته إن هو جاهر بمعارضته لرأيي. فتلك تهمة عظيمة لا يمكن أن تلقى على عواهنها. أما من يختلف معي في رأي مطروح فالأمر بيني وبينه نقاش وأخذ ورد، فقد يكون ما كتبهُ أو ما نشرتهُ عليه مأخذ، فإن كان كذلك فرأي برأي، وحجة بحجة، وبعدها قد يتفق الطرفان أو لا يتفقان، لكن عدم الاتفاق لا يبرر أن يطعن أحد بمواطنة الآخر أو إخلاصه.وأدرك أن حماسنا مع ما نقول وما نكتب قد يكون شديداً، بحيث لا نرى للصحة إلا وجها واحدا، هو الذي نقول به أو نكتبه، قد يكون ذلك إعجابا بالرأي أو ثقة به، واعتداد أحدنا برأيه ليس أمراً شاذاً بل مقبول، فرأي الشخص جزء منه بالضرورة، لكن ذلك الاعتداد لا يصح أن يأخذ صاحبه ليرمي معارضيه بما هو خارج السياق.أقول هذا مدركاً أن مسؤول التحرير له نظرة من زاوية أو حتى زوايا لا يستوعبها القارئ، وفي أحيان قد تعارض ما يريد قارئ أن يراه في صحيفته اليومية، لكن الأمر دائماً يجب ألا يخرج عن سياق مقارعة الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، وليس سوق الاتهامات العريضة من هذا الطرف أو ذاك، والسبب أن في ذلك توسيعا لرقعة الخلاف، وإخراجا للنقاش عن سياقه، وبذلك تضيع الموضوعية ليصبح النقاش بيزنطياً اتهامياً تجريمياً عاطفياً، ثم يتحول إلى عراك فكري لا يفضي إلى اتفاق بل إلى تنافر، وبناء قناعات جديدة قائمة على شخصنة الأمر وليس على أسس فكرية.ومهما يكن من أمر الخلاف والاختلاف، لكنها كبيرة أن يتهم أحدٌ أحداً في وطنيته أو مواطنته أو أنه يخدم أجندة أجنبية، فهذا مما لا يجوز التحزم به أبداً، إذ ينطوي على مزايدة ظاهرة، فكيف بوسع مواطن أن يتهم آخر بمواطنته؟ إن كان لديه دليل فليشكُه للسلطات مصحوباً بما يدلل على صحة اتهامه، وإلا أصبح ذلك قذفاً قراحاً. بمعنى، أنه فيما يتصل بالمواطنة والإخلاص للوطن وحبه والذود عنه والتضحية من أجله، فكل المواطنين سواسية، ليس بوسع أحد منهم أن يدعي أنه في موقع أعلى ليفرزهم: هذا يحبُ الوطن كثيراً، وذاك حبهُ متوسط، وذياك ينفذ أجندة عابرة للأوطان! ليس بوسع أي منا أن يقوم بذلك الفرز، بل له أجهزة مختصة ومخولة من السلطات للقيام بأدوار الحفاظ على الأمن ووقايته من أي خلل أو ضرر قد يلحق به، فلنترك مهام اتهام المواطنين في مواطنتهم وإخلاصهم لوطنهم لتلك السلطات، وإلا أصبح أمر التصنيف المواطني بين أيدي الأفراد، وكل ينفي عن مواطنهِ صفة الإخلاص للوطن! في حين أن علينا كمواطنين أن نتنافس ليبين كل منا كيف أنه يُحب ويُجلّ وطنه أكثر بأفعاله قبل أقواله، وبحرصه على لَمّ الشمل، واللجوء لما يَجمع وليس لما يفرق. وكلٌ منا سيدعي أنه يُمارس ذلك، لكن علينا وخصوصاً في الظروف الاستثنائية التي يَمرّ بها وطننا الغالي من تحديات إقليمية غير خافية، وهي تقود تحالفاً لإعادة الأمل لليمن الذي نرجو له أن يبقى عربياً سعيداً مزدهراً، فنكون سنداً له وهو سندا لنا.. في هذه الظروف علينا أن نُجَسر الفجوات، ونبتعد عن مواطن التباعد، ونسعى لما يُعزز لُحمتنا الوطنية، فكل سعودي هو من هذا الوطن وإليه، وإخلاص أي منا لمملكتنا أمرٌ لا يجب أن يخوض فيه الخائضون ولا أن يوسوس فيه الموسوسون، فهو واجب بالضرورة، لا يمكن أن يُنزع من فردٍ أو جماعةٍ أو طائفةٍ لاعتبارات متعجله أو متوجسة، فحبُ الوطن والإخلاص له أمر مفترض أن يتحلى به جميع المواطنين، ومن يظن غير ذلك، فذلك بالضرورة من سوء الظن، وإلا فإن ذلك ينطوي على خيانة، وما كان لمن مكث في الأرض قروناً أن يخونها أبداً، ومن يفعل فالسلطات الأمنية المختصة ستقوم بمهامها، لكنها بالضرورة ليست مهمة أي طرفٍ آخر.* متخصص في المعلوماتية والإنتاج