د. فالح العجمي

مبدع أم حمّال أسيّة ودفع رباعي؟

نرى في إعلانات الوظائف لدى الشركات الكبرى وبعض المؤسسات الإعلامية أو المنظمات الدولية بعض الأوصاف للمرغوب في توظيفهم، مما له علاقة بالإبداع والقدرة على ابتكار الحلول وطرق العمل الجديدة والمتميزة. فمن هو المبدع في أدبيات الدراسات الفلسفية ومقررات إدارة الأعمال، ومن هو المبدع في مفهوم تلك المؤسسات، أو أصحاب قرار التوظيف والحل والربط فيها؟ لكن الأهم من التعريفات أيضاً، هو السؤال الذي يراود بعض المبدعين: هل هم مطلوبون فعلاً لدى تلك المؤسسات، خاصة الكبيرة منها؟ بعض العارفين بخفايا الأمور يقولون، إن الباحثين عن موظفين من أصحاب الأعمال الواسعة لا يريدون في الواقع إبداعاً، بقدر ما يتوقعون الوصول إلى أشخاص لديهم القدرة على التحرك بالنمرة 2 في مسار الصعود الحاد، والتخفيف أثناء الانحدار بما يشبه المنظم لبيئة العمل هناك؛ أي ما يوازي سيارات الدفع الرباعي في الطرق الجبلية أو الرملية. وكلما كانت المؤسسة الباحثة عن موظفين أكبر، زاد لديهم الاتجاه للبحث عمن يتأقلم أكثر مع سيل الأوامر والتغييرات، ويستطيع الانخراط في بيئة العمل المعتادة. إذ إنهم في إعلاناتهم إلى الخارج يدّعون البحث عن الإبداع؛ أما داخلياً فيهمهم أساساً ذلك النموذج الذي «لا يهش ولا ينش»، ولا يتمرد على ما يأتيه من تعليمات أو يتعرض لها بموقف نقدي. كما أن المكافآت للمتميزين والمرغوب في تحفيزهم تتجه أصلاً لمن يمشي فعلياً مع التيار السائد، ويكرر النماذج المعتادة، حتى لو ادعى لفظياً الالتزام بتلك المبادئ المعلنة للخارج. وربما يتفق هذا الوضع السائد عالمياً مع المقولة التي وضعها رودولف ديزل، عندما استعرض التاريخ البشري في طرق تعامل النافذين مع أصحاب العقول المتميزة، واستخلص أنه من كل 100 عبقري لا يُكتشف 99 منهم، فتذهب قدراتهم هباء. ولذلك أصبح العالم مرعباً حقاً وغير منطقي؛ فالمجتمعات البشرية أصبحت تفتقد إلى الخليط الضروري لحياة صحية، الذي لا بد أن يشترك فيه كل من الخيال والإبداع. تذكرت الشكاوى التي تصدر عن بعض أصحاب القدرات المتميزة، حتى وإن لم يصلوا إلى الإبداع أو العبقرية، وكيف أنهم كانوا يتعرضون للتمييز السلبي في الحقوق، لكون العمل في حاجتهم باستمرار، فلا يتمتعون بإجازات مثل زملائهم الخاملين، ولا تنالهم ترقيات أو انتدابات يكسبون منها مالاً إضافياً أو خبرة، لأن ذهاب أولئك المهملين أو العاديين لا يؤثر في العمل. أما المثابرون، فيُطلب منهم ساعات عمل أكثر وجهد أكبر، ولا ينالهم في المقابل ما هو أفضل من غيرهم، إن لم يكن أقل. أما تعاسة الهياكل التي تبنى بهذه الطريقة خالية من الخيال والإبداع، فهو مما لا يشك فيه أحد من العقلاء، أو من ينظرون بعين العقلانية إلى تسيير الأمور فيها، وكثير منها يتعلق بمصالح الناس وحاجاتهم. وكثير منا بالتأكيد قابلته حالات يستغرب وجودها في نظام مؤسسة أو شركة عملاقة، وإذا ناقش المرء أحد المسؤولين فيها، حتى وإن كان من كبارهم قال: هذا السيستم كذا! من وضع السيستم؟ لماذا يحكم السيستم عقول الناس؟ لا أحد يجيب بصراحة أو بتفاصيل مفيدة. من تلك الأمثلة التي تذهب باللب، أن تأتي إلى مؤسسة حكومية أو شركة خدمية على سبيل المثال بوثائق تثبت وجود خطأ فيما يتوجب عليك سداده لهذه المؤسسة أو تلك الشركة، فيقولون لك: طيب، سدد أولاً، ثم اعترض! ويتركونك في حيلة العاجز.. ولا أعرف أحداً من الناس رفض هذا المبدأ، حتى وإن كان هو السيستم، لغياب الإبداع! *أستاذ اللسانيات بجامعة الملك سعود