التسوية القانونية؛ خطوةٌ صحيحةٌ تُغلِّب العقل والمصلحة العامة على العاطفة!

لا شك أن الإجراءات الواسعة التي اتخذتها حكومة المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين؛ الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين؛ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله، لمواجهة الفساد ومكافحته والقضاء على مظاهره، والتي توجت بصدور الأمر السامي الكريم بتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد وإسناد رئاستها إلى سمو ولي العهد، هي من الأمور التي باتت حديث الناس ومحل اهتمامهم، عامتهم وخاصتهم، داخل المملكة وخارجها، وفي وسائل الإعلام التقليدية والجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي على حدِّ سواء.

ولا بد لي هنا من أن أتوقف قليلا لأُشيد وأُثني الثناء المُستحق على قرار ملك الحزم إنشاء الهيئة العليا لمكافحة الفساد، لتكون جهة واحدة، موحدة تجتمع فيها وتتعاضد جهود جميع الأجهزة ذات العلاقة، المعنية بمكافحة الفساد، مع إعطائها كل الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها بشكل فاعل، بدلا من توزّع الجهود المرتبطة بهذا الدور الحيوي والمهم على جهات عدة. ولا بد لي، كذلك، من الثناء على القرار الحكيم الذي أعاد هيكلة هيئة التحقيق والادعاء العام، وحولها إلى نيابة عامة، وأعطى معالي النائب العام الاستقلالية والمساحة المطلوبة لتولي القضايا التي عادة ما تُرفع من الدولة ضد الأفراد والكيانات التي تخرق النظام.

وأعود هنا لأقول إن ما أشرت إليه آنفا من الاهتمام، والتداول حول هذا الموضوع، جسّد ما يكاد يكون إجماعا منقطع النظير على دعم وتأييد هذه الخطوات المباركة، التي يرى الجميع فيها خيرا وبركة لبلادنا الغالية وأهلها. وثقة لا تتزعزع فيمن اختارهم ولي الأمر، أيده الله، للقيام بها. ولست هنا في وارد الحديث عن هذه الإجراءات أو القرارات، فما فاضت به مشاعر الناس، وما قيل أو نُشر عبر وسائل الإعلام، أصدق من أي مقال وأقوى من أي تعبير.

ولكنني، كرجل قانون، أرغب في أن أُلقي الضوء في مقالتي هذه، من ناحية شرعية وقانونية، على موضوع ظهر ودار حوله النقاش مؤخرا، وهو توجّه الجهات المعنية بمكافحة الفساد ومواجهة من يُتهمون به، إلى الوصول إلى تسويات معهم، أو مع بعضهم، تتضمن استرداد ما استولوا عليه بغير حق مقابل إخلاء سبيلهم. حيثُ أيّد البعض هذا التوجّه، فيما رأى البعض الآخر أن من ثبتت في حقه تُهمة الفساد يستحق أن يُعاقب مع استرداد ما وضع يده عليه من أموال وممتلكات.

وبداية، لا بد من التأكيد على أن كلتا وجهتي النظر صحيحةٌ ولها ما يبررها ويسندها. ولكن، باختصار، قد تقتضي المصلحة العامة، والتوجه نحو تحقيق أهداف أبعد وأوسع مدى، والسعي لدرء مفسدة دون الوقوع في مفسدة أكبر وأكثر تعقيدا منها، أن يختار الحاكم التوجه الأول، أي الوصول إلى تسوية مع المتهم، يتم بموجبها حل القضية بأقل الأضرار وأفضل النتائج. وهذا هو المنظور الذي انطلق منه ولي أمرنا، أيده الله، في التعامل مع عددٍ من المتهمين الموقوفين في قضايا الفساد.

وفي هذا فإن مبدأ التسوية القانونية أو التسوية القضائية، كما يُسمى اليوم، والذي يُمكننا ربطه بمبدأ التصالح في الشريعة، ليس غريبا ولا حادثا في الشريعة الإسلامية، ولا في القوانين الوضعية أو القانون الدولي.

ففي الشريعة الإسلامية، نتذكر جميعنا الموقف الإنساني الرفيع لسيدنا مُحمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، عندما قبِل أن يفتدي أسرى المشركين في غزوة بدر أنفسهم أو أن يفتديهم أهلهم بالمال. بل إن رُقي موقف النبي عليه السلام، وصل إلى حد قبول أن يفتدي الأسير نفسه من الأسر بتعليم عددٍ من صبيان المسلمين القراءة والكتابة. حدث هذا والأسرى كانوا يُقاتلون المسلمين ويسعون إلى قتلهم واستئصال شأفتهم!!

وفي هذا الجانب من قصة أسرى بدر من المشركين، نتذكّر، بكل إجلال وتعظيم، موقف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع أبي العاص لقيط ابن الربيع، رضي الله عنه، زوج ابنته زينب، رضي الله عنها، الذي خرج في غزوة بدر، وكان حينها لا يزال مُشركا، لمحاربة النبي، عليه السلام. ولما أُسر بعد الغزوة، وبعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب، في فداء أبي العاص بمال، وبقلادة كانت أُمها خديجة، رضي الله عنها أهدتها إليها عندما أدخلتها على أبي العاص، فلما رأى الرسول، عليه السلام، القلادة عرفها وتذكر خديجة، فرقّ لزينب رقة شديدة وقـال لأصحابه: «إن زينب بعثت بهذا المال لافتداء أبي العاص، فإن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا» فقبل الصحابة ذلك إكراما له عليه السلام، ولزينب رضي الله عنها.

كذلك، شهد التاريخ الإسلامي واقعة، ربما كانت أقرب إلى ما نشهده اليوم، ففي بداية تولي الخليفة الزاهد عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله، مقاليد الخلافة، سنة تسعٍ وتسعين للهجرة، بدأ بنفسه وأهل بيته، فردّ ما لديه ولديهم من مال وأراض وبساتين وخيولٍ وعبيد إلى بيت مال المسلمين، ثم جمع إليه بني أمية، فأمرهم برد ما لديهم من أموالٍ وضياعٍ وممتلكاتٍ إلى بيت مال المُسلمين، ولم يُعاقب أحدا منهم أو يُهدد بالعقوبة إلا من أظهر العصيان وشق عصا الطاعة، وأصر على ما هو فيه من خطأ. والشاهد في هذه القصة أن عمر بن عبدالعزيز كان يعلم يقينا أن من هذه الأموال، بل ربما جُلها، ما هو مُغتصبٌ أو مأخوذٌ بغير وجه حق، لكن بُعد نظرته للمصلحة العامة للأمة جعله يكتفي باسترداد الأموال والممتلكات دون التوجه إلى إيقاع العقوبة على كل من أخذ مالا بغير وجه حق.

​ولو نظرنا إلى أن مثل هذه التسويات، التي بدأت الجهات المعنية باتخاذها مؤخرا، هي وجهٌ من وجوه الصلح أو التصالح، فإن مشروعية الصلح والتصالح ثابتة في الشريعة الإسلامية بالعديد من الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع.

​فالصُّلحُ في اللغة؛ إعادة المياه إلى مجاريها، أو إرجاع ما فسد إلى سيرته الأولى، أو قطْع النزاع وإنهاءُ الخصومة. وفي الفقه الإسلامي؛ عرّفه الحنفية والشافعية بأنّه: عقْد وضْعٍ لرفع المُنازعة، وعرّفه الحنابلة بأنّه: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفَين، وعرّفه المالكية بأنّه: انتقالٌ عن حقٍّ أو دعوى بعِوَضٍ، لرفعِ نزاعٍ أو خوف وقوعه، وعرّفه بعض الفقهاء الآخرين بأنّه: التراضي والتسالم على أمر، من تمليكِ عينٍ أو منفعة، أو إسقاط دين أو حق أو غير ذلك.

​ومن أدلته قوله تعالى، في الآية التاسعة من سورة الحجرات “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ“

وقوله سبحانه، في الآية 128 من سورة النساء “وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا“، وقوله تعالى في الآية 114 من سورة النساء، أيضا، “لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا“

​أما في السنة فقد روى أبو داود عن أبي الدرداء أن رسول اللَّه، صلى الله عليه وسلم، قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة». حديث صحيح.

كما روى أبو داود، أيضا عن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، قوله: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرم حلالاً».

​هذا فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية التي هي مرجعنا في بلاد الحرمين، أما في القانون الدولي، وفي القوانين الوضعية، خاصة في البلدان التي يُمثل القانون فيها قاعدة راسخة ومتينة من قواعد الدولة والحياة، كدول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، فالتسويات القانونية، والتصالح مع المتهمين، وما يندرج تحتها، التي تُسمى بالإنجليزية “Plea Bargain”، هي من المُمارسات المُستقرة والتي تُطبق بشكل مُستمر، خاصة إذا كان في تطبيقها مصلحة عامة كبرى؛ كاسترداد أموالٍ أو ممتلكاتٍ تم الاستيلاء عليها بغير وجه حق، أو فرض غراماتٍ تعويضيةٍ للدولة أو للأفراد أو المؤسسات المتضررة، أو الوصول إلى معلوماتٍ تُفيد في حل قضايا أكبر وأكثر تعقيدا وأهمية، وغير ذلك من المنافع الكثيرة التي يمكن جنيها من مثل هذه التسويات، والأمثلة على هذه التسويات أكثر عددا من أن تُحصى، وأكثر تنوعا من أن نُلم بها في مقالةٍ كهذه، وهي تشمل تسوياتٍ مع أفراد أو مؤسسات أو دول في إطار قوانين وطنية أو في إطار القانون الدولي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن المهتم أو المتابع في هذا الشأن يستطيع الاطلاع على قوائم السلطات الأمريكية التي تنشر فيها أسماء الأطراف التي قامت باستعادة أموال منها، أو قامت بإيقاع غرامات عليها تصل إلى مئات الملايين الأمريكية، بل وتصل بعضها إلى المليارات، وتشمل الأفراد أو الشركات التي تورطت في عمليات فساد، وقد تمت تسويات معهم على غرار التسويات التي منحتها السلطات السعودية لبعض المتهمين بقضايا الفساد، وذلك بعد مواجهتهم بالأدلة الدامغة، وإعطائهم الفرصة لعمل تسويات بعد استشارة محاميهم.

وقد دأبت المملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها، على يد المؤسس جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، على التزام مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية والتقيُّد بها، كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، كمبدأ أساسٍ في الحكم، حيث نصت المادة الأولى من النظام الأساس للحكم على أن: «المملكة العربية السعودية، دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض». كما نصت المادة السابعة من ذات النظام على أنه «يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة».

ولما كان الصلح وتسوية النزاعات من أعظم الآليات التي شرعها الله سبحانه وتعالى لإنهاء المنازعات ووقف الصراعات، سواء بين المسلمين وغيرهم، وبين المسلمين أنفسهم، حفاظا على مصالح البلاد والعباد، وانطلاقا من مبادئ أحكام الشريعة الإسلامية، فقد أجازت أنظمة المملكة العربية السعودية السعي إلى الصلح والتسوية بين المتخاصمين ومع المتهمين، قبل اللجوء إلى القضاء. وقد سبق أن جرى العمل بالتسوية في قضايا عدة؛ منها قضايا تتعلق بمخالفة أنظمة السوق المالية، حيث قامت هيئة السوق المالية بالوصول إلى تسويات مع المتهمين في مخالفة أنظمة السوق المالية. وهناك، كذلك التسويات التي يتم السعي والتوصّل إليها في القضايا العمالية. وقد أنشأت غرفة التجارة والصناعة في مدينة الرياض مركزا سمته مركز التحكيم والتسويات، وأطلقت عليه شعار «الصلح خير»، حيث يقوم المركز بتقديم خدماته في مجال تسوية النزاعات بين المتخاصمين كأحد الأهداف التي تم إنشاؤه من أجلها.

وبالتالي، يتبين للقارئ أن ما توجّهت إليه حكومة المملكة العربية السعودية، بتوجيه وقيادة خادم الحرمين الشريفين؛ الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومتابعة وتنفيذ ولي عهده الأمين، صاحب السمو الملكي؛ الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، أيدهما الله، من التوصل إلى تسويات مع المتهمين الموقوفين في قضايا الفساد، والوصول معهم إلى حل يُفضي إلى إعادة كُل أو جُل الأموال والممتلكات التي يتم التحقيق معهم بشأنها، ليُصار إلى إيداعها خزينة الدولة وأملاكها. وكذلك قيام الهيئة العامة لمكافحة الفساد بتخصيص حساب مصرفي، عائد للدولة، حيث حثت كل من تورط في عمليةٍ تندرج تحت أفعال أو تُهم الفساد على أن يقوم بإيداع ما آل إليه من أموال جراء هذه العملية فيه؛ كل هذه التوجهات والمبادرات هي، بلا شك، متوافقة تماما مع أحكام ومقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، وأهدافها السامية، فضلا عن توافقها مع نصوص أنظمة الدولة ذات العلاقة، وفيها، بإذن الله، تحقيق لمصالح كثيرة للدولة والمواطنين، وهي، إلى ذلك، خطوةٌ تُغلِّب العقل والمصلحة العامة الأكبر والأهم على العاطفة!

د. سعود العماري ديسمبر 3, 2017, 3 ص