موقف «داعش» المخزي للإسلام والمسلمين من المسيحيين في العراق في الشهر الماضي، فتح المجال مع الاسف واسعا لمن ينتظر الفرصة للطعن في الاسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية، فهي فرصة للمزايدين المتطرفين لديهم لان يستثمروا العواطف الدينية للبسطاء؛ لتحويلها الى مكاسب سياسية شخصية وحزبية عبر استدعاء التاريخ والادعاء ان ما يجري هو حرب دينية، اي صراع حضارات واديان، وكأن «داعش» وما تفعله يعبر عن الاسلام وموقفه من الاديان، بالذات المسيحية.
وفي التغطية الاعلامية المتضخمة لم نر ممن يعرفون الموقف الحقيقي للدين الاسلامي من المسيحية، أية مبادرة لتقديم ما يوضح الصورة الحقيقية ويشرح الموقف للعلاقة بين الديانتين، حتى لا تضيع الحقيقة تحت ركام الفوضى الاعلامية والاجتماعية (الغلاقة)، وليس الخلاقة، اي التي تغلق على عامة الناس معرفة الحقائق وطبائع الاشياء!
ربما هنا ليس المجال للتوسع في الحديث حول موقف الاسلام من المسيحية والأديان السماوية عموما، فهناك العدد الوافر من مؤلفات ومقالات المستشرقين المسيحيين المنصفين، وبما ان الاحداث المؤسفة جرت وتجري في العراق الآن، فربما من المناسب استعراض سريع لموقف المسلمين من النصارى العرب الذين بقوا على دينهم بعد الفتوحات الاسلامية.
الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كلنا نعرف موقفه من نصارى العراق ونصارى القدس، فما قال (ودون في العهدة العمرية)، وما فعل في القدس، وما قدر ودبر في العراق.. كلها وضعت الأسس الشرعية العملية الهادية التي تعكس الموقف الحقيقي للإسلام من الأديان والمذاهب، فمما يذكر في سيرة الخليفة الفاروق، انه قبل من النصارى، بالذات بني تغلب، عدم دفع الجزية لانه ربما خاف ان فرضها عليهم قد ينال من كرامتهم وعزتهم العربية، وكأنه ينظر للمستقبل، وما ستفعل «داعش» التي فرضت الجزية على المسيحيين في الموصل، دار الاسلام الجديدة!!
الأستاذ حسن العلوي في كتابه، «عمر والتشيع»، يذكر ان الخليفة عمر - رضي الله عنه - وبتقدير رجل الدولة الذي يضع المبادئ والأخلاقيات للحكم والإدارة، وحتى لا يُسقط عن نصارى العراق الجزية، وجد له الامام علي - رضي الله عنه - مخرجا وهو مضاعفة الصدقة عليهم. الخليفة عمر، وهذا هو المهم في موقف الاسلام الحقيقي، رأى ايضا ومدفوعا من إحساسه المفرط بضرورة العدل، (وينقل عنه انه يفضل عزل والٍ كل يوم حتى لا يُبقي ظالما ساعة من نهار) رأى عزل الوالي عليهم الوليد بن عقبة لانه، رضي الله عنه، قدر ان الوليد ربما يبقى في نفسيته شيء عليهم حينما رفضوا دفع الجزية له، اي قد يجد العذر الشرعي لينتقم منهم لاحقا.
موقف الرفق والرحمة من الخليفة عمر رضي الله عنه كانت له ثماره، فقد اسلم الكثير من نصارى العرب، فكانت بعدئذ لهم السيادة والريادة في الاسلام كما كانوا من قبل في نصرانيتهم، وهذه اللمحة السريعة من التاريخ توضح جزءا يسيرا من تاريخ العلاقة المتسامحة المتصالحة التي جمعت المسلمين والمسيحيين لعقود طويلة من الزمن، تقاسموا فيها الأفراح والأتراح وتشاركوا في لقمة العيش.
هذا الجحيم الذي نراه في العراق والشام لا يمثل الطرفين، فهو خارج عن سياق التعايش الذي كان وسيبقى بينهم، كما انه لا يعكس روح الاسلام العظيم المتسامح المتصالح الذي يرى عمارة الارض هي المهمة المقدسة للناس.. وليس السعي في خرابها، وهل هناك اعظم من قتل النفوس البريئة.
«داعش» وغيرها من النبتات الشيطانية الإرهابية، سنية أم شيعية، هي الاستثناء من حركة التاريخ، والإسلام والمسلمون سوف يخرجون، بإذن الله، أقوياء من رماد المآسي وركام الخراب.