الفكر المتطرف يكتسب حيويته من الإرادة السلبية الكامنة فيه، فهناك ميل وانحياز عاطفي للدين ينعكس في التدين الذي يعتبر أحد لوازم الذات، ودون بوصلة فكرية يعمل من خلالها العقل في مساحة واسعة من النص وتكييفه وفقا لمقتضيات الواقع يتجه ذلك الفرد الى المنطقة المظلمة أو الظلامية أو بعبارة أكثر دقة النفق المظلم، هناك تتكون العصبيات الواهمة حول أفكار مهمة مثل التناصر والنصرة واليقين الزائف بعدد من المعتقدات التي تنمو في ذلك الحشر الضيق للفكر ويتحول العالم كله الى ذلك النفق.
تنظيمات مثل «داعش» تعيش في عالمها وليس العالم الحقيقي، تضع الدين في مسار يعتمد على أضعف النصوص وأقواها جدلا لتتخذها مرجعية تزعم من خلالها نصرة الدين، وبذلك نرى الرؤوس تتطاير والأعناق تجز والأجسام ترمى من علٍ أو بالحجارة حتى الموت، فهل يمكن أن نزعم أن التنظيم ذو ميول وجودية، في الفلسفة الوجودية يرون أن الموت عملية تنظيم للحياة، فهل دون أن تشعر «داعش» أصبحت وجودية وعلى ذات المسار الذي كانت عليه سيمون دي بوفوار؟
لا يمكن أن يكون الموت قضية الدين الأساسية، كما أنه ينبذ الإكراه وحمل الناس بالشدة والغلظة والإرهاب، وارتكاب أسوأ الجرائم، ولا يمكن أن يكون ضد الإنسانية والرحمة والتراحم، وحين نقف عند تصوير قتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة إنما يطرحون ويعرضون ويقدمون رسالة غير إنسانية بامتياز تتنافى مع الدين وتواصيه بالصبر والمرحمة، فهل بعد هذا يمكن الحصول على صلة ناضجة وواقعية بين التنظيم وسلوكياته القاتلة والدين؟ ليس صعبا بل مستحيل أن تكون هناك مثل هذه الصلة، ذلك يعيدنا الى أولئك الذين يصمتون على جرائم التنظيم.
لن نسأل عن سر الصمت، ولكن نتجه الى فكرة التعاطف الضمني، وهو وإن كان مسألة عاطفية ووجدانية إلا أنه يحتمل خيارا عقليا، من حيث الميول والاتجاهات، فلا يمكن أن تتعاطف مع قضية دون أبعاد عقلية تجعلك تتكيف مع مقتضيات ومعطيات الحالة محل التعاطف، ولذلك فإن التعاطف مؤشر لخيار بانتماء يتفاوت الى هذا التنظيم أو ذاك، وحينها نجد أنفسنا أمام وقائع ذاتية تضيف للتنظيم أكثر مما تخصم منه من واقع أدائه الدموي الذي يتعارض مع المنطق الديني، فلا يمكن أن يتم تعاطف دون عمق عقلي ينحاز أصالة أو شكلا وموضوعا الى موضوع التعاطف وفي هذه الحالة تنظيم «داعش» لذلك نظل بحاجة الى كسر حاجز الصمت لأنه ليس خيارا مطلقا وإنما تفسير بدهي لولاء أو انحياز كامن قد ينفجر في وجوهنا يوما ما.