DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

الصراخ

الصراخ

الصراخ
الصراخ
ما أكثر الصراخ الذي يلجأ إليه بعض الناس لإثبات ما يعتقدون أنه حق لهم، لا يجوز لأحد غيرهم الحصول عليه، والنتيجة أنهم لا يفقدونه فقط، بل قد يفقدون احترامهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم، وهذه الظاهرة الصوتية كما سمّاها أحد فلاسفة العصر أصبحت لغة التخاطب في حالات كثيرة، وكأننا كما قال الشاعر الأحسائي علي بن المقرب: في زمان لا تسمعُ الأذنُ فيه                                غير صوت الصُراخِ في كل نادِأن هذا الصراخ بجميع ألوانه وأشكاله ودوافعه ومهما كان مدوّيًا ويصمّ الآذان.. فإنه لا يمكن أن يُحقق هدفًا شريفًا، وإن حقق هدفًا مشبوهًا في فترة من الفترات، فلابد أن يأتي يوم وتنكشف فيه كل الأوراق، وحينها يكون السقوط مدوّيًا وغير مأسوفٍ على صاحبهوهي ظاهرة تدلّ بوضوح على أن حُجة أصحابها ضعيفة، أو هم لا يملكون في الأساس حُجة يتذرعون بها، فيلجأون إلى الصراخ من باب التهويش ولفت الأنظار وهو نوع من الجعجعة دون طحن، والصراخ هنا يتعدّى دلالته المعروفة إلى دلالاتٍ أخرى ربما لا تخطر على بال مَن لا يعرفون ما وراء هذا الصراخ من دوافع اجتماعية ونفسية وربما اقتصادية، وهي في مجملها دوافع ذاتية لا ترقى إلى مستوى التسليم بجدّيتها وسلامة غاياتها، ومن دلالات هذا الصراخ ومعانيه أنه يأتي على شكل رفض تام للواقع، أو المكابرة في مواجهة الحقيقة، أو العناد وعدم التسليم بالأمور الحتمية التي يصبح الجدل حولها نوعًا من العبث، أو الوهم بأن الأمور يمكن أن تسير في الاتجاه المعاكس لطبيعة وحتمية النتائج المتوخّاة من أسباب معينة، أو حتى محاولة القفز على الواقع والاعتساف في تشويه ملامحه، أو الادعاء ـ وبفوقية مفرطة ـ بامتلاك الحقيقة المطلقة.. كل هذه الحالات هي في تصوّرى نوع من الصراخ الذي يدخل صاحبه في متاهةٍ لا مخرج له منها دون خسائر فادحة لا تقتصر على الذات بل تتعدّاها إلى الآخرين، والإنسان بطبيعته مجبول على حب التملك، وهذا دافع للاجتهاد والمثابرة للحصول على ما يؤهل لهذا الاستحقاق، لكنه ليس دافعًا للاستحواذ على الأمور، باعتساف الواقع للوصول إلى هذه النتيجة، وليس كل مَن يلوي عنق الحقيقة يستطيع الوصول إلى أهدافه. ولنا أن نسأل: ما الدوافع المؤدية لهذه الحالة من الصراخ بأشكالها المختلفة؟ ربما كان الدافع هو طلب الوجاهة والبروز بطرقٍ ملتوية على المستوى الاجتماعي نتيجة القصور عن امتلاك مقوّمات الشخصية المؤهلة لهذه الوجاهة، وربما كان الدافع هو خلل نفسي يُصاب به الإنسان فلا يجعله يميّز بين الخطأ والصواب، فيهرول وراء أوهامه دون تقدير للنتائج أو حتى معرفة بها، وربما كان الدافع تحقيق مكاسب مادية هي في الأساس غير مشروعة، لكن شرعنتها متاحة لمن يعيش ظروفًا معيّنة تدفعه للهاث خلف تحقيق ما لا يمكن تحقيقه، وربما كانت هناك دوافع أخرى لا يعلمها إلا الله، وجميع هذه الدوافع مرفوضة من الناس الأسوياء الذين لم تشوّه سلوكياتهم رعونة التصرّفات، ولا الرغبة  في امتلاك ما هو بعيد المنال.  والنتيجة أن هذا الصراخ بجميع ألوانه وأشكاله ودوافعه ومهما كان مدوّيًا ويصمّ الآذان.. فإنه لا يمكن أن يُحقق هدفًا شريفًا، وإن حقق هدفًا مشبوهًا في فترة من الفترات، فلابد أن يأتي يوم وتنكشف فيه كل الأوراق، وحينها يكون السقوط مدوّيًا وغير مأسوفٍ على صاحبه. وحينها أيضًا لن يفيد الصراخ أو كما قال أبو العلاء المعري:     إذا ماتَ ابنها صرخت بجهلٍ                       وماذا تستفيدُ من الصُراخِ؟ وهذا هو الصراخ الذي لا يُجدي صاحبه.
المزيد من المقالات