يقول ابوتمام:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها
تنال الا على جسر من التعب
ويقول المتنبي:
تريدين ادراك المعالي رخيصة
ولابد دون الشهد من ابر النحل
الشاعران الفيلسوفان على ما نسب لهما من ابداع لم يقولا شيئا جديدا.. لقد اعادا وكررا «بديهية» عرفها الانسان عمليا عبر التاريخ وهو يكافح لأجل حياة أكثر خصبا.
بقيت هذه البديهية تتنقل في الشعر العربي عبر القرون فالشاعر الحديث يقول:
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش ابد الدهر بين الحفر
ويعيد شاعر آخر تأكيده بقوله:
«الطريق الى السهل هذا الجبل»
غير ان هذه البديهية نفسها حين انتقلت الى الشعر الشعبي اكتسبت لونا رومانسيا منحدرا.. فهذا عبدالوهاب يصدح:
«على شان الشوك اللي في الورد بحب الورد/ واستنا جرحه وتعذيبه/ بعدك عني / نار بتغني وبترقص شكوتي فيها/ ويطمني قربك مني/ في اجمل نار بقا فيها/ من حلاوتها الناس بتحسدني على النار اللي انا فيها».
إن هذه الاغنية الرومانسية زجت بالبديهية من عالم الواقع الى فضاء الخيال الذي تئن اللغة العربية منه.. فراحت الأماني تسبق الوسائل تحل محل الغايات التي لا تنال إلا على جسر من التعب.
كثير من الكتابات تحمل مجتمعنا صفات الكسل وانعدام المبادرة والخوف من المجهول.. وهذه صفات المجتمعات البدائية أو الراكدة كما هو معروف.. ولكن هذه الكتابات لا تقرأ فيها ذكر الاسباب لهذه الصفات.. ومن يتجاهل الاسباب يستسهل كيل الصفات.
انه يتجاهل جهل المجتمع لحقوقه لاندماجه القسري في المجموع.. فليس هناك «انا» الذي هناك هو «نحن» ويتجاهل «التجهيل» الذي هو أخطر من الجهل.
إن مجتمعنا مجتمع سماعي حتى الآن ولكن الزمن الذي فرض تداخل الثقافات سوف يعرف كيف يغتسل من هذه الصفات.. فالخوف الذي خيم ظلامه على النفوس منذ قرون بدأ في التآكل حين بدأت في الوضوح بديهية أخرى هي ( ان الحرية لا تعطى).