إقامة اطار من التوازن بين الأصالة والمعاصرة يضعنا أمام تحديات لابد من مواجهتها بصراحة متناهية دون خوف من مغبة انعكاس التيارات الثقافية الغربية على تراثنا الثقافي أو حاضرنا الذي مازال يستمد وهجه من ذلك التراث.
فصحيح أن الثقافات الحديثة قد تجاوزت الحدود واخترقت السدود ساعدها في ذلك تقنية متطورة تتمثل في هذا البث التلفزيوني المباشر عبر الأقمار الصناعية وعبر هذه الشبكة العنكبوتية المبهرة، فأضحت ثقافات العالم واتجاهاته الفكرية وأنماط سلوكياته تدخل بيوتنا دون استئذان، وأضحى هذا البث يغطي الكرة الأرضية ضمن ثورة معلوماتية هائلة ليس بامكاننا إلا تقبلها، لكن وفقا لمعايير «اختيارية» ذاتية تضعنا أمام محك هام وحيوي لاختبار مقدرتنا على الحفاظ على هويتنا الثقافية الخاصة.
يبدو أننا بحاجة الى التركيز في الوقت الحاضر على انتاج السلع الثقافية المحلية بدلا من التهافت على استيراد البرامج الأجنبية حتى لا نجد أنفسنا ذات يوم اذا استمر اعتمادنا على استيراد الثقافة وبثها عبر قنواتنا الإعلامية منعزلين أو شبه منعزلين عن العالم. غير أننا سوف نجتاز هذا الاختبار العملي الصعب رغم اشكالية الجمع بين المستويات النوعية للثقافة العالمية وبين عملية انتاج الثقافة واستهلاكها، فصحيح أن الصلة بين منتجاتنا الثقافية ومستهلكيها هي صلة واهية، والشقة بين الفريقين واسعة بيد أن ما يقرب بين هؤلاء وهؤلاء - كما أرى - هي الرغبة الجامحة عند الجميع للحفاظ على مقومات وخصائص ثقافتنا الأصيلة، وهي رغبة لا يبدو أن تحقيقها صعب اذا سلمت النية وصدقت العزيمة على التمسك بهويتنا الثقافية المميزة وانماء مساراتها. من جانب آخر فان الأقطار العربية - كما هو حالها الآن - لا تتحرك وفقا لاتجاه ثقافي واحد، فلكل قطر خاصيته الثقافية التي يكاد ينفرد بها عن بقية الأقطــار، وهذه اشكاليـة لا تبدو خطيرة في حد ذاتها، غير أنها في الـوقت نفسه ليست طبيعية، فالأقنية الثقافية بين البلدان العربية ضعيفة جدا ولا أقول متهالكة، لكن تقويتها واعادتها الى حالتها الطبيعية ربما يحتاجان الى فترة زمنية لا نستطيع التوقع تحديدا بوقت بدئها بشكل عملي، ورغم الصعوبات الجمة التي تعيق تصدير وتبادل السلع الثقافية بين أقطار العالم العربي، إلا أن ضرورة ايجاد التوازن بين أصالتنا الثقافية وما نعيش في أجوائه من تيارات ثقافية حديثة أمر لا مناص منه اذا كنا نريد الاحتفاظ بهويتنا الثقافية المتميزة، غير أن من الضرورة بمكان أن نقول: إن تحقيق هذه الموازنة ليس على مستويات عربية اقليمية ضيقة لأن التقنية المعلوماتية الحالية أدت الى كسر كثير من تلك الحواجز ، لكن على مستويات جغرافية أوسع يتطلب من أجهزتنا الإعلامية بوجه خاص أن تهتم بالجوانب الثقافية عبر وسائلها لاسيما من خلال الاذاعة والتلفزة بطريقة تسمح بتحقيق فكرة التوازن هذه بدرجات معقولة ومقبولة، ويبدو أننا بحاجة الى التركيز في الوقت الحاضر على انتاج السلع الثقافية المحلية بدلا من التهافت على استيراد البرامج الأجنبية حتى لا نجد أنفسنا ذات يوم اذا استمر اعتمادنا على استيراد الثقافة وبثها عبر قنواتنا الإعلامية منعزلين أو شبه منعزلين عن العالم.