يقول عمنا:
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة
فلا أشتكي فيها ولا أتوجع؟!
بيننا وبين هذا الكلام الفاجع أكثر من ألف عام.. وحين نقرأ لا شعرنا الآن وحسب، بل حتى الكتابات اليومية التي تزخر بها الصحف من كتابنا وكاتباتنا نجدها تحمل نفس السؤال الفاجع.. وكأن التاريخ قد فقد قدميه طوال هذا المدى المترامي من السنين.
أسباب وجع المتنبي عدّدها في شعره ولكن ما عندنا من أسباب ذاك الوجع والأمض منه.. كيف يعد؟!
بؤرة أوجاع المتنبي هي “الاغتراب” ولا أقصد بالاغتراب معناه الميتافيزيقي ولا معناه الفلسفي المتناسل من الأول.. بل أقصد معناه البسيط.. معناه الاجتماعي/السياسي.. وهو أن يكون الإنسان مستغلا مسلوب الإرادة والحرية والحقوق الطبيعية ويشد أمامه كل سبيل إلى تحقيق الذات وغرسها في محيطها الاجتماعي.. الأمر الذي يفضي إلى ذلك الاغتراب الذي عبر عنه أبو حيان أدق تعبير.
وها نحن كما قال الشاعر علي الدميني:
“من وجع نحو آخر
من رابية
لم تعد شجرا يانعا للعصافيرغياب الوعي التاريخي لا ينحصر معناه في عدم إدراك الواقع الحاضر.. بل يمتد إلى عدم إدراك الماضي نفسه سوى مقتبسات من هنا وهناك دون الإحاطة به ككل لأننا واقعون في قبضته.. إنه هو المسيطر علينا كمقتبساتأو لامعا كالأساطير”
أعود لأسأل: هل فقد التاريخ قدميه؟
وأجيب: كلا.. نحن الذين فقدنا أقدامنا الفكرية وليس التاريخ، فهو يزخر بما حولنا بالفتوحات للمجهول وثمار الفكر المختلفة ألوانها.. لكن لماذا حدث ويحدث هذا.. لماذا لم يتغير شيء في الحقل السياسي والاجتماعي منذ رخصة المتنبي “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”.. “واحذف الشطر الأول لأنه معروف” حتى الآن؟
حدث ويحدث هذا لأننا لا نشعر بمشاكل عصرنا لأننا مشغولون بمشاكل العصور الغابرة.. العصور التي ماتت وبقينا نقلب جثثها.. وحتى حين نشعر بمشاكل عصرنا لا نسعى إلى حلها حسب إدراك أسبابها وظروفها الاجتماعية لأن الواقع مغيب عندنا لغياب الوعي التاريخي.. وحينئذ ليس أمامنا سوى أن نولي وجوهنا وأمانينا قبل التراث لعلنا نجد فيه ما قصرنا عنه من ابتكار الحلول حتى لو كانت قشة أسطورية نتعلق بها..
غياب الوعي التاريخي لا ينحصر معناه في عدم إدراك الواقع الحاضر.. بل يمتد إلى عدم إدراك الماضي نفسه سوى مقتبسات من هنا وهناك دون الإحاطة به ككل لأننا واقعون في قبضته.. إنه هو المسيطر علينا كمقتبسات وكما قال ابن عربي: “من كان في قبضته شيء فإنه لا يدرك ذلك الشيء”


