نحن نعرف أن الشرط "ما يتوقف عليه الشيء من حيث الوجود والمعرفة" ولكن حين نتناول الأفكار والظواهر ننسى أن لكل شيء شرطا لابد من تحققه لوجود الشيء أو لمعرفته.
نسيان الشرط أو عدم إدراكه دلالة على الذهنية اللاسببية تلك التي تتقبل تبادل المواقع بين الحقيقة والخيال وينعدم لديها الفاصل بين الواقع وبين الخرافة.
وأفدح سياق تكشف فيه هذه الظاهرة عن ضبابيتها هو تناول المفاهيم.. فالمفاهيم –كل المفاهيم– ليست ثابتة.. إنها مفردات تاريخية.. والتاريخ ليس ثابتا حتى لو تراجع –برهة– إلى الوراء.
تناولنا للمفاهيم تناول ضبابي، بل عشوائي لأننا ننسى شروطها، فـ -مثلا– نحن نكتب عن الحرية وكأنها ثمرة في غصن واطئ ناسين أن شرطها هو وعي الضرورة.. ومتناسين شرطها الآخر وهو أنها لا تعطى بل تؤخذ.. ومعنى الأخذ هو الإرادة التي لا تتوقف دون الوصول إلى هدفها مهما حمله الطريق من الأشواك والخسائر.
هل هي مشكلة التبيئة.
نعم إنها "التبيئة" تلك الكلمة الأثيرة عند المرحوم محمد عابد الجابري.. ذلك لأن شرط التبيئة هو أن تكون الثقافة المستقبلية للمفهوم على استعداد لانغراسه ثم نموه فيها.. ولكن متى يتوافر هذا الاستعداد؟
هذا هو مربط البعير.نسيان الشرط أو عدم إدراكه دلالة على الذهنية اللاسببية تلك التي تتقبل تبادل المواقع بين الحقيقة والخيال وينعدم لديها الفاصل بين الواقع وبين الخرافةيتوافر الاستعداد عندما تكون الثقافة المستقبلية قادرة على النقد الذاتي لمفاهيمها هي بحيث تكون تلك المفاهيم خاضعة للمقارنة والتفاضل بينها وبين المفاهيم الجديدة.. أما إذا اعتقدت بثبات المفاهيم.. فلا يمكن انغراس مفاهيم جديدة فيها وبهذا تكون خارج التاريخ.
لنضرب مثلا:
نكتب كثيرا عن الديمقراطية وكأنها ريح تدق النافذة.. نلتقي معها بمجرد فتح النافذة.. نعم.. نتكلم عنها بهذه البساطة ناسين شرطها وهو الالتزام بكل ما يعنيه مفهوم "المواطنة" من التجرد من القبلية والطائفية.. وناسين شرطا آخر وهو أن يكون الفرد مواطنا قادرا على الاختيار الحر والقناعة الكاملة بأن ما يختاره إنما هو لمصلحة المجتمع وصالحه هو كفرد من هذا المجتمع.
كلامي هذا ليس معناه الدعوة إلى الوقوف كما يقف الفلاح أمام نخلة ليس أمامه غير انتظار ثمرها بعد عمر طويل.. كلا.. هذه دعوة إلى تحقيق الشرط الوجودي للأشياء.. وهو "العمل" وجود الأشياء أو إيجادها بتعبير أصوب يحتاج إلى عمل.. بدون عمل.. بدون كدح لغرسه في نفوس الناس وتحويله إلى قناعة تامة.. تتحول إلى إرادة عامة.. بدون هذا.. لا جدوى من الكلام..
فكيف السبيل؟
أجب أنت.


