«آخر أنت
ليس يعني القبيلة دمعك
أو ما تحس به من ظمأ
ليس يعني القبيلة أنك تملك قلبا
يحب ويكره
لا.. ليس يعني القبيلة أن لديك عيونا
متى نظرت في المرايا
لأنك سؤال على هيئة الآدمي
توجهه نحو نفسك :
من أنت .. من؟».
محمد الخباز، بهذا السؤال الفاجع، والأنين اللغوي الجميل، لا يعبر عن (يماك) الخادم التركي لسيف الدولة وحسب، بل يعبر عن الإنسان في عصرنا الأعمى هذا.
لقد تشيأ الإنسان وأصبحت كل القيم التي تنطلق من أجله متشيئة مثله وكأنها غريبة عنه. إنها قيم يستثمرها من شيئها وشيئه، وأصبح لا يعرف أين يسير ويصرخ مع محمود درويش (أين الطريق إلى أي شيء؟)..
إنه الاغتراب.
والاغتراب بالمعنى الحديث ذاك الذي أول من طرحه هيجل ليس الابتعاد عن الوطن، بل هو (انفصال الذات عن ذاتها الواقعية لضرورة التطابق مع رغبات الآخرين والمؤسسات الاجتماعية).
انه كما قال هيجل (اغتراب روحي) وهذا هو الذي يؤدي في نظر ماركس إلى التغيير.
هذا المعنى الحارق للاغتراب لم يعرفه في تراثنا غير أبي حيان التوحيدي الذي كتب عنه العلامة عبد الرحمن بدوي تحت عنوان «أديب وجودي في القرن العاشر» وقارنه بكافكا الذي قال : (الكتابة ضرب من الصلاة)، وقد سمت الدكتورة الفت الروبي بوح أبي حيان بالمناجاة «حيث الذات تخاطب ذاتها» لنستمع اذن إلى أنين أبي حيان :
«يا هذا
أين أنت من غريب قد طالت غربته في وطنه وقل حظه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت من غريب لا سبيل له إلى الأوطان ولا طاقة به على الاستيطان وقد علاه الشحوب وهو في كن، وغلبه الحزن صار كأنه شن .. إن نطق نطق حزنانا منقطعا، وإن بعد بعد خاشعا، وإن ظهر ظهر ذليلا، وإن توارى توارى عليلا (..) وقد قيل : الغريب من جفاه الحبيب، وأنا أقول : بل الغريب من واصله الحبيب، بل الغريب من تغافل عنه الرقيب، بل الغريب من حاباه الشريب، بل الغريب من هو في غربته غريب.. الخ».
هل رأيت الوجع شاخصا ؟
إنه واقف هنا في هذه الجملة «بل الغريب من هو في غربته غريب».