وبعدها بوقت قصير، رأيت في منامي سفينة تواجه عاصفة عاتية، بينما وقف قبطانها ثابتًا. وحين ضاقت به السبل، أمر بإنزال المرساة. لم تتوقف العاصفة، لكنها لم تعد قادرة على اقتلاع السفينة من مكانها. وظل هذا المشهد عالقًا في ذاكرتي حتى أدركت أن الإنسان لا ينجو دائمًا بزوال العواصف، بل بامتلاكه ما يثبته في وجهها.
ذلك الحلم، وذاك الأطلس، لم يكونا سوى مدخل لفكرة رافقتني طويلًا: أن الإنسان لا يرى العالم بعينيه فقط، بل بالخرائط التي يحملها في عقله، وبالقيم التي تستقر في وجدانه. فلكل واحد منا أطلسه الخاص؛ أطلس لا يُباع في المكتبات، بل تصنعه المعرفة، وتصقله التجارب، وتعيد تشكيله المواقف.
ولهذا قد يقف شخصان أمام الحدث نفسه، فيرى أحدهما أزمة، بينما يرى الآخر فرصة. وليس السبب اختلاف الواقع، وإنما اختلاف الخرائط الداخلية التي يفسر بها كل منهما ما يراه. فالرؤية ليست انعكاسًا لما أمامنا، بقدر ما هي انعكاس لما بداخلنا.
والمرساة التي أنقذت السفينة لم تكن، في معناها الأعمق، قطعة من الحديد، بل كانت رمزًا للمبدأ الذي يمنع الإنسان من الانجراف حين تضطرب الظروف. فالذين يمتلكون مرساة داخلية لا تعصف بهم المتغيرات، لأنهم يعرفون ما الذي يتمسكون به عندما يفقد الآخرون توازنهم.
وكذلك الإنسان؛ فوضوح الاتجاه يمنحه القدرة على تجاوز المنعطفات، ويجعله أقل استنزافًا في التردد وأكثر ثباتًا في المسير. لذلك لا يُقاس النجاح بسرعة الوصول وحدها، بل بسلامة الوجهة والثبات عليها.
ولذلك لم تكن البوصلة أسبق من الساعة عبثًا؛ فالإنسان احتاج أولًا إلى ما يحدد له الاتجاه، ثم إلى ما يقيس الزمن الذي يقطعه في سبيله. فالزمن وحده لا يصنع الإنجاز، ما لم يكن الإنسان يعرف إلى أين يمضي.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال الذي يشغلني: ماذا ترى؟ بل أصبح: من أي أطلس ترى؟
فالعيون قد تتشابه، لكن الخرائط تختلف. وكلما اتسع أطلس الإنسان بالعلم، والتجربة، والقراءة، والحكمة، اتسعت رؤيته، وأصبح أكثر قدرة على فهم المتغيرات واكتشاف الفرص.



