هذه المشاهد هي أكثر ما يجذبني في المزاد، وبالتأكيد الأرقام مهمة في هذا الحدث العالمي، وما تمثله من وضع المملكة في مكانة دولية في هذه المنظومة، ففي عام 2025 شاركت 67 مزرعة إنتاج من 23 دولة، بينها 19 مزرعة محلية، وبيع 1103 صقور بمبيعات تجاوزت 13 مليون ريال، لكنني لا أحب قراءة هذه الأرقام منفصلة عما يقف خلفها.
فكل مزرعة حضرت إلى المملكة تحمل معها أشهرًا وربما أعوامًا من العمل، وكل مربٍّ يعرف تفاصيل إنتاجه، وكل صقّار يمتلك عينًا تلاحظ أشياء قد تمر على الزائر العادي دون أن ينتبه إليها حتى قرار الشراء نفسه لا يبدأ عند ارتفاع الأيدي في المزايدة، وإنما قبل ذلك بمعرفة الصقر وتقييمه واختيار ما يناسب صاحبه.
لهذا لا أنظر إلى المزاد باعتباره مكانًا للبيع فقط، أراه مساحة يلتقي فيها المنتج المحلي بنظيره الدولي، ويتعرف فيها الصقار إلى مزارع وتجارب مختلفة، وتعرض المزرعة إنتاجها أمام جمهور متخصص يعرف قيمة ما يراه.
ويثير اهتمامي أكثر النمو المستمر في عدد المزارع المشاركة.
بالنسبة لي هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا: المزارع تجد سببًا للعودة، وأخرى تجد سببًا للحضور للمرة الأولى.
وتزداد أهمية المزاد هذا العام مع المرحلة الجديدة التي دخلها المركز الوطني للصقور بعد صدور تنظيمه الجديد، بما يعزز دوره في تطوير منظومة الصقور، وبناء الشراكات، وتنمية الفرص الاستثمارية المرتبطة بها.
وأعتقد أن العلاقة بين الاستثمار والموروث تستحق أن نفهمها بعيدًا عن أي تعارض مصطنع بينهما، فالموروث لا يبقى حيًا لأننا نتحدث عنه فقط، يبقى حين يمارسه الناس، ويتعلمه الأبناء، ويجد المربي فرصة لتطوير عمله، ويعرض المنتج خبرته، ويلتقي الصقار بمن يشاركه الشغف نفسه.
حتى الصفقات الكبيرة التي تحظى عادة بالعناوين الصحفية، أراها الجزء الأخير من حكاية أطول، الصقر الذي يصل إلى منصة المزاد لم يظهر فجأة؛ سبقت تلك اللحظة رحلة من الإنتاج والرعاية والمتابعة والعمل اليومي.
لهذا قد يكون السعر خبرًا، لكن الحكاية عندي أهم، وفي أغسطس، لن أبحث فقط عن الصقر الأغلى، سأبحث عن المزرعة التي تشارك للمرة الأولى، والمربي الذي عاد مجددًا، والصقار الذي جاء برفقة ابنه، والطفل الذي يقف طويلًا أمام صقر ربما يظل في ذاكرته سنوات، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح المزاد روحه، وتجعل الأرقام الكبيرة مفهومة، وتمنح الموروث فرصة ليظل حاضرًا في حياة الناس.
الصقور ..حكاية جميلة في مجتمعنا العربي منذ قديم الزمن فيها الكثير من الفصول التي لم تكتب بعد ، وموسم بعد آخر تكشف هذه الفصول شيئا فشيء والأهم أن تبقى حاضرة للنشء لأنها عادة عربية أصلية تروى لها القصص بكل فخر .