لكن قبل أن نحكم على الفكر، يبرز سؤال يستحق التأمل: *هل الفكر هو الذي يصنع الإنسان، أم أن الإنسان هو الذي يصنع فكره؟
قد تبدو الإجابة بديهية، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالإنسان يصوغ أفكاره باختياراته، وفي الوقت نفسه تعود تلك الأفكار لتصوغ شخصيته، وتوجه قراراته، وتحدد نظرته إلى الحياة والناس. إنها علاقة متبادلة، يتشكل فيها كلٌّ من الفكر والإنسان بالآخر..!!
لقد أسهم الفكر المستنير عبر التاريخ في صناعة الحضارات، وإحداث التحولات الكبرى في مسيرة الإنسانية. فمن خلاله تطورت العلوم، وازدهرت الفنون، وتقدمت المجتمعات، وتمكن الإنسان من تجاوز كثير من العقبات التي وقفت في طريقه. ولنا في التاريخ شواهد كثيرة؛ فكم من فكرة علمية فتحت للبشرية آفاقًا جديدة في الطب والهندسة والاتصالات، وكم من فكرة متعصبة جرّت شعوبًا إلى صراعات طويلة، لا لأن السلاح كان أقوى، بل لأن الفكرة التي سبقته كانت أكثر تأثيرًا. وهكذا يتبين أن الأفكار ترسم ملامح المستقبل قبل أن تصنعه الأفعال..!!
لذلك لا يُسأل الفكر عن قدرته على التأثير، بل يُسأل الإنسان عن البوصلة التي يختار أن يقود بها فكره. فالفكر لا يولد متعصبًا بطبيعته، وإنما يتشكل بما يتعرض له من تربية، وتعليم، وتجارب، وحوارات. وحين يُغلق العقل أبواب التساؤل، ويكتفي بالتلقي دون تمحيص، يصبح أكثر قابلية لتبني الأفكار مهما كانت، لأنه اعتاد أن يثق قبل أن يفكر..!!
وفي المقابل، قد يصبح الفكر مصدرًا للخطر حين يُختطف من قبل التعصب، أو يُساق خلف الأهواء والمصالح الضيقة. فكم من نزاع أشعلته أفكار متشددة، وكم من مجتمع مزقته قناعات متشددة رأت في الاختلاف تهديدًا، وفي الحوار ضعفًا، وفي الإقصاء سبيلًا لفرض الرأي. وحين يغيب الوعي، تتحول الأفكار من جسور للتواصل إلى تضاريس للفُرقة والخصام..!!
وهنا يبرز سؤال آخر: متى يتحول الفكر من نعمة إلى سجن؟
إنه يحدث عندما يفقد الإنسان شجاعة مراجعة قناعاته، ويظن أن امتلاك رأي يعني امتلاك الحقيقة كاملة. فأخطر الأفكار ليست تلك التي تعلن تشددها، بل تلك التي ترتدي ثوب اليقين المطلق، فلا تترك لصاحبها مساحة للشك أو المراجعة، فيصبح أسيرًا لفكره بدلًا من أن يكون قائدًا له..!!
إن الاختلاف في الأفكار أمر طبيعي، بل هو من سنن الحياة التي تثري التجربة الإنسانية، إلا أن قيمة الفكر الحقيقية لا تكمن في امتلاك الرأي، وإنما في القدرة على مراجعته، والاستماع إلى الآخر، والبحث عن الحقيقة بعيدًا عن التعصب والانغلاق. فالعقل الناضج لا يخشى الحوار، لأنه يدرك أن الحقيقة لا تنتقصها الأسئلة، وإنما تكشفها..!!
وربما كان السؤال الأهم اليوم: كيف ندافع أحيانًا عن أفكار لم نخترها أصلًا؟
حتى نظن أنها جزء من ذواتنا، ومع مرور الزمن ندافع عنها لا لأنها صحيحة، بل لأنها أصبحت مألوفة. وليس كل ما نؤمن به اليوم هو ثمرة بحثٍ حر؛ فبعض القناعات ورثناها، وبعضها اكتسبناه من محيطنا، وبعضها فرضه علينا التكرار حتى بدا وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش. ولهذا فإن مراجعة الأفكار ليست تراجعًا عن المبادئ، بل دليل على يقظة العقل وصدقه في البحث عن الحق..!!
شمعة مضيئة:
"إن الفكر لا تُقاس قيمته بقوته وحدها، بل بالوجهة التي يُقاد إليها؛ فهو أمانة أودعها الله في الإنسان ليعمر بها الأرض، ويهتدي بها إلى الحق، ويصون بها كرامته وكرامة غيره. فإذا وُجِّه نحو الحكمة والمعرفة والقيم النبيلة، أصبح نورًا يضيء دروب الأفراد والمجتمعات، وإذا استسلم للهوى والتعصب، تحول إلى سلاحٍ يؤذي حامله قبل أن يصيب سواه.
فليست القضية أن نفكر فحسب، بل أن نمتلك الشجاعة لنسأل أفكارنا قبل أن نسأل الآخرين، وأن نراجع قناعاتنا قبل أن ندافع عنها، وأن ندرك أن العقل الذي يتوقف عن التعلم يبدأ، دون أن يشعر، في التراجع. فالفكر حين يقترن بالحكمة يصبح نورًا يهدي، وحين ينفصل عنها يغدو سلاحًا قد يصيب صاحبه قبل أن يصيب غيره.."
"من محطة الفكر سلاح ذو حدّين أحدثكم..!!"


