فالقضية لم تعد تتعلق بشخص يصور وجبة أو يشارك تجربة في مطعم، بل بتحول اجتماعي وثقافي عميق يكشف مقدار التغير الذي أصاب بعض معايير الشهرة والتأثير في عصر المنصات الرقمية.
من منح هؤلاء كل هذه السلطة؟ من قرر أن رأي شخص في قطعة لحم أو كوب قهوة يستحق ملايين المشاهدات؟ من أقنع الناس بأن تصوير الملاعق والأطباق نشاط يستحق هذا الحجم من الاهتمام والوقت والمال؟ إنها أسئلة موجعة، لأن الإجابة عنها تكشف حقيقة أكثر إيلامًا: المشكلة ليست في هؤلاء وحدهم، بل في مجتمع بدأ تدريجيًا يفقد قدرته على التمييز بين القيمة والضجيج.
في السابق كانت الشهرة نتيجة طبيعية للإنجاز. كان العالم مشهورًا لأنه اكتشف، والمفكر مشهورًا لأنه أضاف، والقائد مشهورًا لأنه صنع حدثًا غير مجرى التاريخ. أما اليوم فقد أصبح الإنسان قادرًا على بناء إمبراطورية رقمية عبر تصوير نفسه وهو يلتهم الطعام أمام الكاميرا. لم يعد مطلوبًا أن تعرف شيئًا أو تضيف شيئًا أو تبتكر شيئًا.
الأمر لا يقف عند حدود السطحية، بل يتجاوزها إلى تسويق المحتوى الترفيهي بوصفه نموذجًا للنجاح. إنه استعراض متكرر لوجوه متفاجئة وتعابير مصطنعة، مصمم لإثارة الانتباه اللحظي أكثر من تقديم المعرفة.
لقد تحولت المطاعم إلى مسارح، وتحولت الوجبات إلى عروض، وتحول المشاهد إلى ضحية لاقتصاد الانتباه الذي لا يهمه إلا النقرات والمشاهدات. الخوارزميات لا تكافئ القيمة، بل تكافئ ما يثير الانتباه ولو كان فارغًا.
والمثير للسخرية أن بعض هؤلاء يقدمون أنفسهم كخبراء ذوق، بينما لا يمتلكون خلفية علمية في التغذية أو النقد المهني. ومع ذلك يتعامل الجمهور مع آرائهم وكأنها أحكام نهائية، فيصبح التأثير سريعًا وضخمًا دون أساس معرفي حقيقي.
إن أخطر ما في الظاهرة أنها لم تعد مجرد ترفيه، بل أصبحت مصدرًا لإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي. تتشكل لدى بعض الشباب قناعة بأن الطريق إلى النجاح يمر عبر الشهرة السريعة، لا عبر العلم أو الإبداع، وهو ما ينعكس على تصورهم لمعنى الإنجاز.
فالأمم التي تعلي شأن المعرفة تنتج علماء، والأمم التي تعلي شأن الإنجاز تنتج مبتكرين. أما المجتمعات التي يطغى فيها المحتوى السطحي، فقد تواجه تحديًا في ترسيخ ثقافة الإنجاز والمعرفة.
ولنكن أكثر صراحة: جزء من الظاهرة قائم على النرجسية الرقمية. فالمتابع لا يبحث دائمًا عن الطعام بقدر ما يبحث عن اللحاق بالترند. إنها حالة من الاستهلاك الجماعي للفراغ، تتكرر فقط لأنها انتشرت.
المأساة الأكبر أن هذا المحتوى يزاحم المحتوى الجاد على وقت الناس. بينما يبذل معلم أو باحث أو طبيب جهدًا طويلًا ليصل إلى جمهور محدود، يحصد صانع محتوى طعام انتشارًا واسعًا خلال دقائق.
لا أحد يهاجم الطعام، ولا أحد يعترض على الترفيه، لكن الإشكال في تحويل الاستهلاك إلى قيمة ثقافية، وتحويل الوجبة إلى معيار للشهرة. وعندما تصبح مراجعة مطعم أكثر تأثيرًا من طرح فكرة، يتضح الخلل في ميزان الاهتمام.
وحين يصل الأمر إلى أن يعرف الناس أسماء بلوجرز الطعام أكثر من معرفتهم بأسماء العلماء والمفكرين والمخترعين، ندرك أن التحدي لم يعد تقنيًا أو منصاتيًا، بل تحديًا في وعي الاهتمام داخل المجتمع.
[email protected]


