صرنا نرى من يدفع الأموال للمشاهير كي يصوروا مجالسه ومناسباته الخاصة، فقط ليقال: ظهر فلان وغطى المشهور المناسبة.
أما اليوم، فالمجالس تُفتح للفلاشات أكثر مما تُفتح للأرحام، وتحولت العلاقات إلى حضور مصور أكثر من كونها حضورًا إنسانيًا حقيقيًا.
الأخطر أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة معينة، بل وصلت إلى بعض الكبار ورجال المال والأعمال، حتى أصبح الهمّ عند البعض جمع المشاهير لا جمع الأحبة.
نحن لا نعيش.. نحن نوثق.
البعض اليوم لا يعيش اللحظة، بل يعيش كيف ستُعرض اللحظة.
لا يأكل حتى تُصور السفرة، ولا يسافر حتى تُوثق الرحلة، ولا يفرح إلا إذا اشتعلت المشاهدات والتعليقات.
تحولت الحياة إلى بث مستمر، وكل شيء قابل للتصوير، حتى الضحكة والكرم والفرح.
الترند الذي يدهس الحياء..
لم تعد المشكلة في المحتوى فقط، بل في تجاوز حدود الخصوصية والكرامة، حتى أصبح بعض كبار السن والمواقف الإنسانية مادة للضحك أو الاستعراض من أجل الترند.
وكأن كرامة الناس تحولت إلى محتوى يومي يُستهلك بلا رحمة.
حتى لحظات الضعف والمرض لم تسلم من التوثيق، وكأن القيمة الإنسانية أصبحت تقاس بعدد المشاهدات لا بحرمة الموقف.
حتى الخير أصبح استعراضًا..
بعض الأعمال الخيرية لم تعد تُمارس لذاتها، بل من أجل الظهور والكاميرا.
تصوير محتاج، وتوثيق دمعة، وكأن المعروف يفقد قيمته إن لم يصفق له الجمهور.
والمؤلم أن الهوس بالترند امتد حتى للجنائز والمقابر، فأصبحت لحظات الوداع محتوى عابرًا في منصات التواصل.
المشكلة ليست في التقنية، بل في طريقة استخدامها؛ فهناك من استخدمها لنشر الوعي، وآخر حوّلها إلى وسيلة لتفريغ المحتوى على حساب القيم.
وفي النهاية، كثير من هذه العلاقات تبدو مزدحمة من الخارج، لكنها فارغة من الداخل.
آلاف المتابعين، لكن عند الحاجة لا يجد الإنسان إلا صمتًا باردًا وشاشة مضيئة.
ختامًا..
الستر نعمة عظيمة لا يعرف قيمتها إلا من فقدها.
والإنسان الحقيقي لا يقاس بعدد ما صُوّر له، بل بما تركه من أثر وكرامة واحترام.
[email protected]



