تبدأ الحكاية من لغة الأرقام، فالمملكة التي يستهلك شعبها البروتين الحيواني بشغف، نجحت في الوصول بإنتاجها المحلي إلى نحو 270 ألف طن، محققةً اكتفاءً ذاتيًا يقارب 62%. لكن هذه النسبة لم تكن سوى نقطة انطلاق لرحلة «المهننة»، إذ لم تعد الفجوة في السوق تُقرأ كعجز، بل كفرصة للتحول إلى نمط إنتاج قائم على العلم والمعرفة، يفتح فرصًا للشباب الطموح.
في هذا المشهد، لم يعد «المربي» مجرد صاحب قطيع، بل أصبح مديرًا لوحدة إنتاجية متكاملة. وهنا تجلّى دور المعرفة في رعاية الثروة الحيوانية عبر تدوين التفاصيل لكل فرد في القطيع ضمن «السجل المزرعي الرقمي» الذي يمثل العقل المحرك للمنظومة. فكل رأس من الماشية يمتلك «هوية رقمية» توثق تاريخه الصحي ومعدلات نموه، مما أتاح تتبع المنتج من «المرعى إلى المنصة»، ومنح المستهلك ثقةً في جودة ما يقدَّم له.
ولم يتوقف هذا التحول عند الرصد، بل امتد إلى عمق العمليات الإنتاجية، من خلال تطبيق وسائل التكاثر الحديثة، وإتقان التلقيح الاصطناعي، وتحسين جودة التربية والتغذية عبر اختيار الأعلاف المناسبة، لتصبح هذه العناصر ركائز أساسية لنجاح المشاريع.
ولأن هذا الاستثمار يحتاج إلى حماية، جاء تطبيق «الأمن الحيوي» ليشكل خط الدفاع الأول، عبر منظومة متكاملة لإدارة المخاطر تحمي القطعان من الأوبئة من خلال العزل والتعقيم، مما أسهم في خفض الهدر ورفع الربحية. ومع ذلك، برز اختيار السلالات كبعد استراتيجي يجمع بين قدرة السلالات المحلية على التكيف والإنتاجية العالية للسلالات المحسنة.
إن هذا التحول يعيد صياغة مفهوم «الاستدامة»، فلم تعد المسألة زيادة الأعداد، بل تحسين الجودة وكفاءة الموارد. ومع نضج هذه الرؤية، بدأ المنتج المحلي يفرض نفسه خيارًا أول للمستهلك، منافسًا في السعر والجودة، ومساهمًا في تقليص الاستيراد وخلق وظائف نوعية.
اليوم، ومع توجه الإنتاج نحو الأسواق والمنصات الرقمية، يتضح أننا أمام اقتصاد جديد ينمو في ظل رؤية المملكة 2030، حيث تحوّل «المرعى» إلى منصة إنتاجية ذكية، وأصبحت البيانات وقودًا يقود الأمن الغذائي نحو آفاق واعدة.
أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
[email protected]



