من منظور كفاءة تخصيص الموارد العامة وتعظيم أثرها، هناك تساؤلات اقتصادية جوهرية، وهي: «لماذا يقف الدعم عند بوابة التأسيس تحديدًا؟ وأين هو الدعم الموجَّه للمنشآت التي عبرت مرحلة التأسيس عالية المخاطر، ووصلت إلى المرحلة التالية الأكثر حساسية، مرحلة النمو والتوسع؟»، وفي هذا المقال سأتناول من وجهة نظر شخصية أهمية توسيع نطاق البرنامج بما يعظّم أثره الاقتصادي على المديين القريب والبعيد.
للإجابة على هذه التساؤلات، من المهم أن نفهم أين ينبغي أن يتركز الدعم الحكومي لتحقيق أعلى أثر ممكن. ومن المفيد أن نستحضر مفهوم «وادي الموت»، والذي يُعد من أدبيات ريادة الأعمال، ويشير إلى الفترة الحرجة التي تعقب التأسيس مباشرة، حيث تستهلك المنشأة رأس مالها الأولي لتغطية نفقاتها التشغيلية قبل أن تتمكن من تحقيق نقطة التعادل أو الوصول إلى تدفقات نقدية إيجابية ومستدامة. وتُعد هذه المرحلة مرحلة انتقالية وليست مرحلة التأسيس، وهي التي تشهد تعثّر وفشل الغالبية من المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
التركيز الحصري على المنشآت حديثة التأسيس، بالرغم من أهميته، إلا أنه ينطوي على فجوة استراتيجية قد تكلف الاقتصاد فقدان فرصٍ مميزة في توليد الوظائف النوعية «التطويرية» التي تقود التحول الاقتصادي، وهي الفرص التي تمتلكها بشكل خاص المنشآت التي تجاوزت تحدي التأسيس وأصبحت على أعتاب التوسع والانطلاق الحقيقي. ففي مرحلة التأسيس، قد تكون المنشأة صغيرة جدًا ومحدودة الإمكانيات، وتعتمد على المؤسس أو فريق محدود، وتختبر السوق والمنتج، أما في المرحلة التالية والتي تبدأ فيها المنشآت بالتوسع والنمو، فإنها تبدأ غالبًا في بناء وظائف نوعية أكثر تخصصًا، وتضيف خبرات جديدة وتراكمًا معرفيًا أكبر لسوق العمل.
هنا تكمن أهمية دعم المنشآت التي تجاوزت مرحلة التأسيس، فالمنشأة التي استطاعت البقاء لعدة سنوات لم تعد مجرد فكرة مشروع، بل أثبتت حدًا أدنى من الجدارة السوقية وأثبتت صلابة نموذج عملها في السنوات الأولى. وإذا تلقت دعمًا مخصصًا في هذه المرحلة، فإن احتمال انتقالها من «منشأة متناهية الصغر إلى صغيرة، أو من صغيرة إلى متوسطة» يصبح أعلى، وهذا الانتقال يمثل أحد أهم المحركات الاقتصادية لتوسيع قاعدة الكيانات النامية القادرة على التوسع والتوظيف الحقيقي والاستثمار.
مُلاك المنشآت في مرحلة النمو غالبًا يواجهون تحديًا مزدوجًا يفوق بكثير تحدي الدخول إلى السوق، فهم يواجهون فجوة تمويلية . وفي هذه المرحلة، كل ريال يُدفع في صورة رسوم أو تكاليف، هو ريال يُقتطع من ميزانية التوظيف والتطوير والتوسع. ولذلك، لو تم توسيع دعم مبادرة «استرداد» ليشمل هذه المنشآت «باشتراط الأثر الاقتصادي»، سيكون ذلك بمثابة محفز مالي مباشر لتحسين التدفقات النقدية للمنشأة، مما يمنحها مساحة للتنفس والاستثمار في رأس مالها البشري. ومن المهم أن يرتبط ذلك بعدة عوامل كـ «عدد وظائف المواطنين المستحدثة، ونمو الإيرادات، والالتزام بالتوطين، وتطبيق مبادئ الحوكمة، والتحول الرقمي».
ختامًا؛ الاقتصاد لا يحتاج فقط إلى منشآت جديدة، بل يحتاج إلى منشآت «تكبر، وتوظف، وتبتكر، وتنتقل إلى أحجام أكبر». ودعم المنشآت التي تجاوزت مرحلة التأسيس ليس ترفًا، بل استثمار في الجيل القادم من المنشآت السعودية القادرة على صناعة الوظائف النوعية، وتعزيز المحتوى المحلي، ورفع مساهمة القطاع الخاص في اقتصاد وطني أكثر تنوعًا واستدامة.
مستشار موارد بشرية



