رأس المال وحده لا يعتبر كافيًا لتحقيق النمو المستدام في أي اقتصاد، بل أصبح رأس المال البشري والمعرفي هو العامل الحاسم في التنافسية والإنتاجية. والدول التي نجحت اقتصاديًا لم تكن فقط أكثر تمويلًا، بل كانت أكثر قدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاجية، ولذلك الحديث عن المعرفة وكيفية انتقالها لم يعد موضوعًا عامًا، بل قضية استراتيجية تمس النمو الاقتصادي والاستدامة المالية والتنافسية الدولية بالإضافة إلى كفاءة سوق العمل.
نجاح سوق العمل في توجهات “التوطين، ورفع الإنتاجية، وتقليص فجوات المهارات” يتطلب تحول المعرفة داخل سوق العمل من مورد فردي محتجز داخل أشخاص أو منشآت إلى أصل اقتصادي متداول ومنظم يخدم الاقتصاد بالكامل، بمعنى أننا نحتاج إلى تدفق سريع ومنهجي للمعرفة والخبرة داخل سوق العمل، لأن عمليات التوظيف دون نقل المعرفة سيخلق وظائف منخفضة القيمة، بينما نقل المعرفة يخلق وظائف ذات إنتاجية أعلى ومسارات مهنية أفضل.
لتوضيح ذلك بمثال بسيط، حينما ينتقل موظف سعودي جديد إلى منشأة في قطاع متقدم دون وجود منظومة واضحة لنقل المعرفة، فإن المنشأة تتحمل فترة تعلم طويلة وتكلفة تشغيلية مرتفعة. أما إذا توفرت أنظمة مخصصة لنقل المعرفة كـ «الإرشاد المهني، والتدريب الميداني، وتبني ممارسات موارد بشرية حديثة تُسرّع نقل المعرفة»، فإن الموظف يصل إلى مستوى الإنتاجية بشكل أسرع، وترتفع كفاءة المنشأة ويزيد العائد الاقتصادي.
من تحديات أسواق العمل أن يبدأ الاستثمار الحقيقي في مهارات الأفراد بعد التوظيف، بينما المرحلة الأهم هي ما قبل الدخول إلى سوق العمل. فالفجوة بين التعليم والوظيفة تُعد من أكبر مصادر الهدر في رأس المال البشري واستثمارات التعليم، ولذلك من الضروري أن يبدأ نقل المعرفة قبل التوظيف عبر منظومة متكاملة تشمل «التدريب التعاوني المبكر، والزيارات الميدانية، والإرشاد المهني من العاملين». فالطالب الذي يتخرج وهو يعرف طبيعة وأدوات المهنة وتحديات القطاع، سيكون أكثر جاهزية وأقل تكلفة على صاحب العمل. ولذلك أقترح أن تكون فترة التدريب التعاوني للطلاب الجامعيين قبل التخرج بسنتين بدلًا من سنة واحدة، وهذا المقترح يحمل قيمة اقتصادية حيث يسمح بإصلاح الفجوات المهارية في سوق العمل.
من المهم وجود مؤشرات مُعلنة للتراكم المعرفي داخل سوق العمل لقياس حجم الخبرات والمهارات المتراكمة للقوى العاملة الوطنية، ومنها “متوسط سنوات الخبرة الوطنية لكل قطاع، نسبة الوظائف التي يشغلها سعوديون بخبرة تتجاوز 5 سنوات، عدد الخبراء الوطنيين لكل 10 آلاف عامل، نسبة المنشآت التي لديها خطط تعاقب وظيفي”. فهذه المؤشرات ستساعد على معرفة أين توجد الفجوات الحقيقية، وأين يتراكم رأس المال البشري وأين يتسرب.
من أكبر الأخطاء الاقتصادية أن يُنظر لكبار السن فقط من زاوية التقاعد، بينما هم في الحقيقة يمثلون مخزونًا هائلًا من المعرفة. وأقترح هنا إنشاء مشروع “بنك المعرفة الوطني”، يشمل قاعدة بيانات للخبراء المتقاعدين أو من هم قرب التقاعد، لتسهيل التواصل معهم والاستفادة من خبراتهم خاصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
ختامًا؛ مع توسع أدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، ستتغير طبيعة الوظائف وبعضها سيتراجع أو يختفي، ولذلك أرى أهمية الاستفادة من برنامج «ساند» بحيث يُخصص جزء من موارده لإعادة تدريب من يفقدون وظائفهم بسبب التحول الاقتصادي أو الأتمتة، لأن التعويض المالي وحده لا يكفي، والمطلوب هو إعادة دمج العامل في السوق بأسرع وقت. وبذلك يتحول البرنامج من أداة حماية اجتماعية فقط إلى أداة تنشيط اقتصادي.
مستشار موارد بشرية
[email protected]



