نعم، لا يكاد يخلو أحد – تقريبًا – من الأقساط، سواء كانت التزامًا شهريًا لبطاقة ائتمانية أو اشتراكًا لا غنى عنه في خدمة رقمية. لكن هل يُعد هذا مبررًا كافيًا لأن تُحرَّف كلمة «أقساط» إلى «أقصاد»، وأن يُنطق «قسط» بـ«قصد»؟ أو أن تتحول كلمة «بث» إلى «بثوث»، وأن تُستبدل كلمة «قياسية» بمصطلح «ستاندر» المأخوذ من الكلمة الإنجليزية Standard؟ بل إن بعض نجوم وسائل التواصل لا يرون حرجًا في حذف حرف (D)، ولا يفكرون في استخدام كلمة «قياسي» حفاظًا على أصالة اللغة وجمالها.
هذا التزييف والتحريف اللغوي نسمعه ونراه، بل نجده مكتوبًا في بعض المقاطع واللوحات الإعلانية، بما قد يضعف الوعي بالدلالات الصحيحة ويؤثر في دقة التعبير، وهو ما يستدعي تعزيز الاعتزاز باللغة العربية وصون مفرداتها الثرية.
والحقيقة أن استخدام كلمات مثل «آجار» بدلًا من «إيجار» لا يثير القلق بقدر ما يدعو إلى الترفق والتصويب الهادئ. غير أن اتساع استخدام كلمة «قصد» بدلًا من «قسط» في الحديث عن المدفوعات الشهرية دفعني إلى التأمل في أثر ذلك، لا سيما مع شيوع هذه المصطلحات في قطاعات تجارية تمس احتياجات الأفراد والأسر.
ومن اللافت أن عدوى التحريف اللفظي واللغوي قد تنتقل إلى من يعمل في هذه القطاعات من جنسيات أخرى، سواء كانت عربية شقيقة أو آسيوية صديقة. وتبدأ «بثوث» التحريف الدلالي للمفردات والبنية اللغوية القويمة، لتنهال من كل اتجاه، وعبر كل هاتف ذكي مزوّد بكاميرا وتطبيقات للتواصل الاجتماعي، فتتكرر هذه الظواهر كلما فُتحت شاشة هاتف ذكي.
إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاءٌ للهوية ومرآةٌ للثقافة. وحمايتها مسؤولية مشتركة، تبدأ بالاعتزاز بها، وتنمو بالتصويب اللطيف، وتترسخ بالاستخدام السليم. فالكلمة الدقيقة تحافظ على المعنى، وتصون جمال اللغة، وتعزز حضورها في وجدان الأجيال.
[email protected]



