يبدأ هذا الفقد بصدمةٍ تزلزل الكيان، حيث يلوذ العقل بإنكار الحقيقة كدرع فطري ضد ألم يفوق طاقة التحمل. فالأذى النفسي الذي يخلّفه الرحيل ليس مجرد حزن عابر، بل هو «نكد» وجداني يغيّر كيمياء الروح؛ فتستوحش النفس رغم الزحام، ويستحيل العالم في عين المفجوع شاحبًا باهت الألوان. وتكمن وعورة التقبّل في تلك “التفاصيل الصغيرة” التي تباغته في كل حين، حين يجد بالمكان مقعدًا فارغًا، وصدى صوت غائبًا، أو لمسة كانت بالأمس ملاذًا واليوم صارت أثرًا بعد عين. ومع الضغط النفسي الهائل، قد يتولد انكسار داخلي وتساؤلات مريرة، ولكن هنا تتجلى عظمة الإيمان لتلجم جماح النفس، وتذكّرها بأن الموت ليس نهاية الرحلة، بل هو قنطرة لضفة أخرى، وأن الرحيل ليس إلا استردادًا لوديعة عاد بها القدر إلى مالكها الأول والأخير.
هذا الأنين لا يذهب سدى، فقد جعل الله للصابرين منزلة لا تنالها كثرة صلاة ولا صيام. إذ إن الصبر الحقيقي ليس مجرد برود في العاطفة بل هو «الصبر عند الصدمة الأولى»، حين يشتعل الوجع في القلب واللسان لا يلهج إلا بما يرضي الرب: «إنا لله وإنا إليه راجعون». هؤلاء المحتسبون أدركوا أن الفراق، على مرارته، ما هو إلا اختبار إيماني يمحّص معادن المروءة، فلا تستسلم النفس لليأس الذي يقطع حبال الرجاء، بل تستبدل زفير الوجع بتمتمات الدعاء. فمن هذا سلوكهم، فقد استحقوا أن تُبنى لهم «بيوت الحمد» في الخلد، لأن يقينهم لم يتضعضع في ذروة الانكسار، وفي قمة الفقد وجدوا الله أقرب إليهم من حبل الوريد.
إن الوفاء الحقيقي للمتوفى لا يتجلى في مراسم العزاء، بل يبدأ حين ينفضّ الناس وينصرف الجميع إلى دنياهم. في تلك الخلوات التي يرتفع فيها الدعاء الصادق، والصدقة الخفية التي تُساق لروحه كغيمة باردة في هجير القبر. فحفظ الود بعد الرحيل أدب رفيع، يقتضي إحياء أثر الراحل الجميل بذكر محاسنه، والتغاضي عن عثراته، ونشر ما كان يحب من قيم، وصلة أهل وده وأصدقائه. فبرّ المرء بعد موته هو الامتداد الأسمى لصلته في حياته. وبدلًا من الغرق في بكاء مرير قد يورث القنوط، يتحول الحزن عند المؤمن إلى طاقة نفع: بئر ماء، أو وقف جارٍ، أو كلمة طيبة ترجح بها موازين الراحل.
وعلينا أن ندرك حقيقة إيمانية جليلة، وهي أن من ابتُلي بالفقد قد يبلغ صبرًا واحتسابًا يرفعه درجات عُلا. فها هي سيدة نساء الجنة فاطمة الزهراء، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما، قد عايشت كل منهما فقد ذوي القربى والأرحام في مدرسة للصبر، ليتنافسن في نيل تلك المنزلة الرفيعة بجميل الصبر وعظيم الدعوات. ومع كل هذا الشجن، يبقى الموت غيبة مؤقتة يتبعها لقاء سرمدي في دار لا كدر فيها ولا فراق.
إن الصبر على الفواجع هو أرقى صور التسليم التي تمنح الروح سكينة وسط العواصف. نحن نودّع أحبابنا بدموعنا، لكننا نحفظ لهم في سويداء القلوب قصورًا من المودة لا يهدمها الزمان. ولا ينظر المؤمن إلى القبر كحفرة موحشة، بل يراه مستودعًا للأمانات التي سيستردها في يوم لا ريب فيه، يوم تُجمع القلوب الوفية تحت ظلال الرحمن، ويُقال للصابرين: «سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار».
مع صادق العزاء والمواساة لكل من فقد قريبًا وحبيبًا، تغمدهم الله بواسع رحمته وفضله، وإنا لله وإنا إليه راجعون
أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
[email protected]



