علّمتني أيضًا أن السرعة ليست دائمًا إنجازًا. في سنواتي المبكرة، كنت أركض من مهمة إلى أخرى، ظانًّا أن بلوغ النتيجة هو الغاية. لكن القيادة الإدارية وحضور اللجان كشفا لي أن العبور السريع يُفقد التجربة نصف قيمتها. فالدرس الأعمق لا يُلتقط أثناء الجري، بل حين تقف وتتأمّل، وتشعر بثقل القرار الصعب لحظة اتخاذه.
ومن أبرز ما علّمتني إياه الحياة أن الدرس لا يكتمل فور وقوعه، بل يحتاج إلى مراجعة هادئة كي ينضج. بعد كل تجربة قيادية، نجحت فيها أو أخفقت، كنت أعود إلى نفسي بسؤالين: ما الذي كان بوسعي أن أفعله بصورة مختلفة؟ وأيّ جانب في شخصيتي انكشف لي لأول مرة؟ هذان السؤالان حوّلا أخطائي إلى بوصلة، وخلافاتي مع الآخرين إلى نوافذ لفهم أوسع.
التعامل مع التجربة يحتاج إلى ميزان دقيق: فلا تُعظّمها حتى تُثقل كاهلك، ولا تستهِن بها حتى تمرّ كأنها لم تكن. فالقائد الذي يُحمّل نفسه كل أزمة يفقد صفاء رؤيته، والذي يمرّ عليها دون تأمّل يفقد ثقة من حوله. السرّ أن تحمل التجربة بيديك، تنظر إليها بصدق، وتقبل أن بعض معانيها لن يتّضح إلا بعد حين، وأن الزمن كفيل بأن يكشف ما خفي منها.
خلاصة القول، وبعد عقود من هذه الرحلة، لا أدّعي أنني وصلت إلى إجابات نهائية، لكنني أعرف يقينًا أنني لست الشخص ذاته الذي وقف أمام قاعته الأولى. ما علّمتني إياه الحياة من تجارب يتجدّد في داخلي باستمرار؛ ففرحة نجاح طالب أعادت تعريف الإنجاز لديّ، ومرارة قرار أخطأت فيه علّمتني التواضع، وحوار فكري مع زميل فتح أمام عقلي آفاقًا لم أكن لأبلغها وحدي.
[email protected]


