«ليت كل الزبائن نساء».
قالتها بنبرة حزينة ومنكسرة، ولا أنكر استغرابي للجملة؛ ثم أكملت حديثها قائلة: الرجال عصبيون، وعجولون، وأسلوبهم سيئ. فأجبتها: احتسبي الأجر، ولا تقفي عند المواقف السيئة، ثم تمنيت لها يوماً لطيفاً.
من هذا الموقف، نقف عند بيئات العمل التي تتعامل مع الجمهور؛ إذ يكاد يكون التدريب على مهارات التواصل شرطاً أساسياً، وتُنفق الشركات وقتاً ومالاً لتأهيل موظفيها على اللباقة، وضبط الانفعالات، وامتصاص التوتر. ولكن، ماذا عن الطرف الآخر؟
جملتها بدت عفوية، لكنها تستحق التوقف؛ فليست القضية في تفضيل جنس على آخر، بل في الدلالة الكامنة خلف العبارة. فتجربة الموظف مع العملاء ليست محايدة كما نفترض.
حين نحللها من الخارج، سنجد أن الموظفة لا تقارن بين رجال ونساء، بل بين أنماط سلوك؛ بين عميل يلتزم بالدور، ويتحدث بهدوء، ويقدّر ضغط العمل، وآخر يتعامل باستعجال، أو حدّة، أو شعور بالاستحقاق. والفرق هنا سلوكي.
المفارقة أن الجهات تعالج نصف المعادلة فقط؛ تُدرّب الموظف على الصبر، لكنها لا تضع أي توقعات سلوكية واضحة للعميل، وتُقيّم أداء الموظف بناءً على رضا العميل، لكنها لا تملك أداة لتقييم جودة العميل نفسه! والنتيجة: ضغط متراكم على الخط الأمامي؛ موظف يُطلب منه أن يكون هادئاً تحت أي ظرف، حتى في بيئة غير منضبطة سلوكياً من الطرف الآخر، الذي تشبّع بجملة: «العميل دائماً على حق».
وفي تجربة أخرى، حدث صدام أمامي بين عميل وموظف؛ فما كان من المسؤول في العمل إلا أن رفض خدمة العميل احتراماً للموظف، مؤكداً أنه في غنى عن العملاء الذين يُهينون الموظفين بحجة أن العميل على حق.
ليس المقصود هنا نقل العبء إلى العميل أو تبرير أي تقصير مهني، بل إعادة تعريف العلاقة بشكل أكثر توازناً؛ فكما أن هناك سياسات للخدمة، يفترض أن تكون هناك ثقافة لاستخدامها. وقد بدأت بعض الجهات تدرك ذلك، فوضعت إرشادات بسيطة، ليست قواعد معقدة، لكنها ترسل رسالة واضحة بأن التجربة مسؤولية مشتركة.
[email protected]



