إن الحروب والصراعات لا تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والنقل البحري والتجارة العالمية. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، يمثل شرياناً اقتصادياً بالغ الحساسية. ومع كل توتر أمني في هذه المنطقة، ترتفع تكاليف التأمين على السفن وناقلات النفط بنسبة قد تصل إلى 30% أو 40% في بعض الحالات، نتيجة ما يعرف في قطاع التأمين بـ»تأمين مخاطر الحرب». وتشير تقديرات مؤسسات التأمين الدولية إلى أن قيمة سوق التأمين في منطقة الشرق الأوسط تجاوزت 90 مليار دولار، مما يعكس حجم المسؤولية الملقاة على هذا القطاع في حماية الأنشطة الاقتصادية من التقلبات الجيوسياسية.
في هذا السياق، تجد شركات التأمين نفسها أمام معادلة دقيقة بين الاستمرار في تقديم خدماتها للمؤمَّن عليهم وبين إدارة مخاطر غير تقليدية تتجاوز الحسابات الاقتصادية التقليدية. فالهجمات على البنية التحتية للطاقة أو الموانئ أو المنشآت الصناعية قد تفرض مطالبات تأمينية ضخمة، بينما تتطلب حماية الأصول المؤمَّن عليها إعادة تقييم نماذج المخاطر، ورفع مستويات الاحتياط المالي، والتوسع في إعادة التأمين مع المؤسسات العالمية الكبرى.
أما في منطقة الخليج، فقد أظهرت شركات التأمين قدرة لافتة على التكيف مع هذه التحديات. حيث تعمل الجهات التنظيمية وشركات التأمين على تعزيز جاهزية القطاع من خلال تحديث سياسات التأمين ضد المخاطر السياسية ومخاطر الحرب، إضافة إلى توسيع نطاق الشراكات مع شركات إعادة التأمين العالمية. ويأتي ذلك في ظل إدراك متزايد بأن الاستقرار المالي يعتمد، بجانب قوة الجيوش، على قوة المؤسسات الاقتصادية التي تدير المخاطر وتحافظ على استمرارية الأعمال.
كما تبذل شركات التأمين جهوداً كبيرة للحفاظ على ثقة العملاء، سواء كانوا أفراداً يؤمّنون منازلهم ومركباتهم، أو شركات تحمي أصولها الصناعية والتجارية. ففي أوقات القلق الجماعي، تصبح الثقة رأس المال الحقيقي لهذا القطاع. ولهذا، تسعى الشركات إلى تطوير حلول تأمينية مرنة، وإطلاق برامج إدارة المخاطر، وتعزيز التحول الرقمي الذي يسمح بتقديم الخدمات بسرعة وشفافية حتى في ظل الظروف الطارئة.
إن فلسفة التأمين في جوهرها تقوم على فكرة التضامن الإنساني أمام المجهول. فالمخاطر، مهما بدت كبيرة، يمكن إدارتها عندما تتوزع على منظومة مالية واسعة قادرة على امتصاص الصدمات. ومن هنا، فإن دور شركات التأمين في هذه المرحلة يتجاوز حدود التعويض المالي، ليصبح جزءاً من منظومة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.
ولعل الدرس الأعمق الذي تكشفه هذه المرحلة هو أن الاقتصاد العالمي يقاس بقدرته على إدارة المخاطر. وفي هذا المشهد المعقد، تظل شركات التأمين بمثابة الحارس الصامت للاقتصاد، تعمل في الخلفية لتضمن أن تستمر عجلة الحياة حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.
إعلامية وباحثة أكاديمية
[email protected]
تجد شركات التأمين نفسها أمام معادلة دقيقة بين الاستمرار في تقديم خدماتها للمؤمَّن عليهم وبين إدارة مخاطر



