في رمضان كانت الحكاية أجمل، قبل أذان المغرب بدقائق يبدأ البيت بالحركة، الأيدي تتحرك فوق السفرة، الكراسي تمتلئ بالأبناء، وضحكاتهم وطلباتهم الصغيرة تملأ المكان، ثم يؤذن المغرب فتعلو الدعوات الصادقة ويبدأ الإفطار في روح اجتماع العائلة. القهوة الساخنة تعود إلى الطاولة، ويستمر الحديث والضحك والقصص الصغيرة، كأن البيت في تلك الليالي عيد يتكرر كل ليلة.
تمضي السنوات ويأتي رمضان آخر، نجلس حول السفرة كما اعتدنا، لكن الكراسي هذه المرة فارغة. وفي زاوية البيت تقف الأم، تنظر إلى الهاتف وتكتب: «هل ستأتي الأسرة اليوم؟»، تفرح بالردود، وتتعب في المطبخ مبتسمة، وتحزن حين يجيء الرد: «لن نستطع المجيء». في تلك اللحظة يسكن البيت صمت ثقيل، ويصبح الصوت الوحيد أحيانا هو الملاعق على الصحون، هادئ جدًا، وكأن البيت يخفي حزنه.
لا أحد يحزن على زواج الأبناء، لكن القلب يحن لذلك الزمن البسيط، الزمن الذي كان فيه البيت يمتلئ بالأصوات. تذكروا أيها الأبناء والبنات في هذا الشهر الفضيل أن هناك آباء وأمهات ينتظرون جلوسكم معهم على مائدة الإفطار، ينتظرون ضحكاتكم أكثر من الطعام نفسه. اجعلوا لبيوت والديكم نصيبًا من رمضان، فالسعادة تبدأ حين يرونكم مجتمعين حول سفرة واحدة.
ختاماً: ستبقى الكراسي في أماكنها كما هي، لكن من كان ينتظركم لن يكون هناك، فقد رحل. عندها ستدركون أن أجمل اللحظات كانت تلك اللحظات البسيطة، حين كانت أم تنادي أبنائها وأب يفرح بلقائكم حول السفرة. فاغتنموا وجودهم ما استطعتم، قبل أن يأتي يوم يجلسون فيه حول السفرة نفسها، لكن البيت صامت، والقلب يشتاق لصوت لن يعود.
[email protected]



